في رحاب السخي المنسي.
في رحاب السخي المنسي.
من ينظر في كتب أهل الأدب أو ما بقي منها كمثل كتب الأصمعي وأبي عبيدة معمر بن المثنى والجاحظ وابن قتيبة وابن دريد وابن المبرد والتنوخي وابن المرزبان وابن عبد ربه وغيرهم ممن كان من شيوخهم أو تلاميذهم أو كان من عموم أهل الأدب
يلاحظ عنايتهم بأخبار الأسخياء حتى أن ينظر في كتبهم يظن أنه عرف كل أخبار الأسخياء في ذلك الزمان والواقع خلاف ذلك
فهم يجمعون أخبار الأسخياء الذين اتصل بذكر أخبار سخائهم نوادر الشعراء لهذا أهملوا عدداً من أسخياء الصالحين وما أقل أخبار الصالحين في كتب أولئك إذا ما قورنت بمثل الحلية لأبي نعيم ( وابن قتيبة أمثلهم )
فمن الأسخياء الفضلاء في زمن التابعين التابعي الجليل خيثمة بن عبد الرحمن
و قال أحمد بن عبد الله العجلي : كوفى تابعى ثقة ، و كان رجلا صالحا ، و كان يركب الخيل ، و كان سخيا ، و رئى على إبراهيم النخعى قباء ، فقيل له : من أين لك هذا ؟ فقال : كسانيه خيثمة . و لم ينج من فتنة ابن الأشعث بالكوفة إلا رجلان : إبراهيم النخعى ، و خيثمة .
وقال أبو نعيم في الحلية : خيثمة بن عبد الرحمن ومنهم المطعم للإخوان، والمكرم للخلان: خيثمة بن عبد الرحمن. كان بالنعم واثقا، وللقائه تائقا.
قال أبو نعيم في الحلية حدثنا عبد الله بن محمد بن جعفر، ثنا أبو جعفر بن ماهان الرازي، ثنا سفيان بن وكيع، ثنا حفص بن غياث، عن الأعمش، قال: «ورث خيثمة بن عبد الرحمن مائتي ألف درهم، فأنفقها على الفقراء والفقهاء»
ينفق على الفقهاء يحب أن يشركهم في أجرهم في تعليم الناس الخير ولكي يتفرغوا للخير ، وينفق على الفقراء وحاجة الفقير بينة واليوم كثير من الناس لا يعينون أهل العلم ويرون ذلك تجارة دين ! ثم هم ينفقون مالاً كثيراً في الترفيه والكماليات والمرء الذي يحفظ على الناس أديانهم أولى من أعين وذلك أن الآخرة هي الحيوان ، ولا يغرك زنديق في قوله ما الذي استفدناه من علماء الدين فإن الدين إذا كان صحيحاً فأعظم النفع نفع عالم الدين لأن نفعه أخروي والآخرة خير وأبقى والنفع الدنيوي أيضاً مشاهد في ضبط الأخلاق وطمأنينة النفوس ولكن الزنادقة يكابرون
وقال أبو نعيم في الحلية حدثنا أبو حامد بن جبلة، ثنا محمد بن إسحاق، ثنا أبو همام، قال: ثنا عيسى بن يونس، ثنا الأعمش، قال: كان خيثمة يصنع الخبيص والطعام الطيب ثم يدعو إبراهيم يعني النخعي ويدعونا معه فيقول: «كلوا، ما أشتهيه، ما أصنع إلا من أجلكم»
هنا يطبق قوله تعالى : ( لن تنالوا البر حتى تنفقوا مما تحبون ) وحديث النبي صلى الله عليه وسلم ( لا يؤمن أحدكم حتى يحب لأخيه ما يحب لنفسه )
وقال أبو نعيم أيضاً حدثنا أبو حامد بن جبلة، ثنا محمد بن إسحاق، ثنا الفضل بن سهل، قال: حدثني أبو نعيم، قال: قال مسعر: «كان لخيثمة سلة فيها خبيص تحت السرير، إذا جاء القراء وأصحابه أخرجها إليهم»
وقال أبو نعيم أيضاً حدثنا علي بن أحمد بن محمد، وعبيد الله بن إسحاق، ثنا إسحاق بن إبراهيم، ثنا أبو كريب، ثنا أبو أسامة، عن الأعمش، ح. وحدثنا السرى ثنا أبو معاوية قالا: ثنا الأعمش، قال: ربما دخلنا على خيثمة فيخرج السلة من تحت السرير فيها الخبيص والفالوذج، فيقول: «ما أشتهيه، كلوا، أما إني ما جعلته إلا لكم»، وكان يصر الدراهم، وكان موسرا، فإذا رأى الرجل من أصحابه منخرق القميص أو الرداء أو به خلة تحينه، فإذا خرج من الباب خرج هو من باب آخر حتى يلقاه فيعطيه، فيقول: «اشتر قميصا، اشتر رداء، اشتر حاجة كذا»
حدثنا أبو بكر بن مالك، ثنا عبد الله بن أحمد بن حنبل، قال: حدثني أبي، ثنا معمر، ثنا عبد الله بن المبارك، ثنا سفيان، عن العلاء بن المسيب، قال: «كان خيثمة يحمل صرارا، وكان موسرا، فيجلس في المسجد، فإذا رأى رجلا من أصحابه في ثيابه، يعني خرقا أو رقة، اعترض له فأعطاه صرة»
أي أنه إذا رأى أحد أصحابه لباسه رديء من الفقر يخلو به ويعطيه مالاً ليشتري لباساً حسناً
=