قال شيخ الإسلام ابن تيمية كما مجموع الفتاوى (10/ 376):"وكذلك يجوز قتال البغاة وه
قال شيخ الإسلام ابن تيمية كما مجموع الفتاوى (10/ 376):"وكذلك يجوز قتال البغاة وهم الخارجون على الإمام أو غير الإمام بتأويل سائغ مع كونه معدولاً ومع كوننا ننفذ أحكام قضائهم ونسوغ ما قبضوه من جزية أو خراج أو غير ذلك إذ الصحابة لا خلاف في بقائهم على العدالة أن التفسيق انتفى للتأويل السائغ وأما القتال فليؤدوا ما تركوه من الواجب وينتهوا عما ارتكبوه من المحرم وان كانوا متأولين
وكذلك نقيم الحد على من شرب النبيذ المختلف فيه وان كانوا قوما صالحين فتدبر كيف عوقب أقوام في الدنيا على ترك واجب أو فعل محرم بين في الدين أو الدنيا وإن كانوا معذورين فيه لدفع ضرر فعلهم فى الدنيا كما يقام الحد على من تاب بعد رفعه إلى الإمام وان كان قد تاب توبة نصوحا وكما يغزو هذا البيت جيش من الناس فبينما هم ببيداء من الأرض إذ خسف بهم وفيهم المكره فيحشرون على نياتهم وكما يقاتل جيوش الكفار وفيهم المكره كأهل بدر لما كان فيهم العباس وغيره وكما لو تترس الكفار بمسلمين ولم يندفع ضرر الكفار إلا بقتالهم فالعقوبات المشروعة والمقدورة قد تتناول في الدنيا من لا يستحقها في الآخرة وتكون في حقه من جملة المصائب كما قيل في بعضهم القاتل مجاهد والمقتول شهيد وعلى هذا فما أمر به آخر أهل السنة من أن داعية أهل البدع يهجر فلا يستشهد ولا يروى عنه ولا يستفتى ولا يصلى خلفه قد يكون من هذا الباب فان هجرة تعزير له وعقوبة له جزاء لمنع الناس من ذلك الذنب الذى هو بدعة أو غيرها وإن كان في نفس الأمر تائباً أو معذوراً إذ الهجرة مقصودها أحد شيئين إما ترك الذنوب المهجورة وأصحابها وأما عقوبة فاعلها ونكاله "
هذا النص لابن تيمية كلما قرأته تعجبت كثيراً ، وسبب عجبي أنه قرر أن داعية البدعة يعاقب وإن كان في نفسه متأولاً حفاظاً على الشريعة العامة وضرب مثلاً بقتال البغاة الذين يقاتلون ويدفع بغيهم مع وقوعهم في التأويل الذي يدرأ الإثم عن كثير منهم وضرب مثلاً بفرع فقهي مشهور في مذهب أحمد والشافعي وهو أنهم يجلدون في النبيذ المختلف فيه _ الذي يسكر كثيره دون قليله_ ولا يسقطون شهادة المجلود لتأوله ولكن يجلدونه حفاظاً على الشريعة ولضعف الخلاف
ومع أهمية هذا النص ودقته إلا أنه مهمل في عامة ما وقفت عليه من الدراسات المعاصرة التي تتحدث عن موقف ابن تيمية من المخالف مع أنه من أمتن تقريرات الشيخ وأكثرها إثارة للإعجاب
وسبب ذلك والله أعلم أن هناك ثقافة معاصرة سائدة للغربي الغالب تجعل الإنسان فوق الشرع بل فوق الله تبارك وتعالى وهذه مسلمة عندهم يحومون حولها ولا يصرحون بها ولكن كل ممارساتهم تدل على هذا ، وتسللت ثمار هذه الممارسة إلى نفوس الكثير من المنتسبين للملة فصار العديد من الباحثين يبحث تحت ضغط هذه النفسية إما اقتناعاً بها أو خضوعاً لجمهورها فصاروا يجمعون من كلام الأئمة ما هو قريب من هذه النفسية ويبتعدون عن كل ما يعاكسها كهذا النص الذي يصرح بقوة أن الشريعة فوق الإنسان المتأول فضلاً عن غيره
واعتبر ذلك بأنه اليوم لو اختلف اثنان فكان أحدهما يكفر خصمه والثاني لا يفعل أو أحدهما يبدع خصمه والآخر لا يفعل فإن ذلك يصير نقطة في صالح غير المبدع والمكفر مطلقاً دون النظر في حقيقة الخلاف
واعتبره أيضاً بأنك تجد بعضهم يقول : ليس كل من أخطأ في أصول الدين يكون كافراً أو مبتدعاً ، وفعلاً ليس كل من أخطأ في مسألة من المسائل يكون كذلك ولكن هذه العبارة مضللة فقارئها يفهم أن قائلها عنده معظم من يقع في الضلال في مسائل أصول الدين مدان بتكفير أو تبديع لهذا نفى الكلية لأن الأقل مستثنى ولكن لو نظرت إلى واقعه لوجدت أن عامة الواقعين في بدع مكفرة معذورون عنده والمدان منهم استثناء لا فرق بين مسألة بينة في القرآن ومتواتر السنة ولم يعارضها إلا عقل مريض أو ذوق فاسد وما هو دونها الأصل العذر وكذلك أصحاب البدع المفسقة الأصل فيهم هذا فاتهام المسألة بالغموض مهما كانت بينة في النصوص أولى من اتهام الإنسان بالتقصير أو الهوى
واعتبر ذلك بكثرة سؤال العوام عن مصير اليهود والنصارى حتى قلت لأحدهم السلف ما سأل أحد منهم عن مصير
رهبان النصارى وهم يرون رهبنتهم وعبادتهم وأنتم تأتون لنصراني يعيش شهوانية فجة تتنزه عنها الحيوانات وتلتمسون له الأعذار
واعتبر ذلك بأن عدنان إبراهيم جاء إلى العديد من أطروحات حسن السقاف وصار ينسخها على المنبر وهو دون السقاف في الكلاميات والفقه والحديث وأثر أثراً عظيماً عجز عنه السقاف نفسه لأن السقاف كان يصرح بتكفير خصومه وأما عدنان إبراهيم فكان يترضى على الصحابة وهو يذكر مثالبهم -عدا معاوية-ويترحم على علماء أهل السنة وهو يفتري عليهم فلقي كلامه من القبول ما لم يلقه كلام السقاف مع أنه هو هو لأن تعرض عدنان للأشخاص كان أقل من السقاف
واليوم قل له فلان يجيز الاستغاثة بالأولياء وقل له فلان يلعن بعض شيوخ السلفية المعاصرة مثلاً صدقني الثانية ستكون أعظم في نفسه بكثير ، مع أن الأول أظلم الظلم وهو الشرك والثاني ظلم واقع على مخلوق
=
=
بل كثير ممن يدعو إلى النظر في كلام المخالفين والانتفاع بما عندهم تجده نافراً أعظم النفرة من بعض الموافقين مع حاجته لهم لأن لهم رأياً سلبياً في بعض معظميه أو شيوخه
وحتى الكثير ممن يذم الإرجاء تجده يركز على نوع معين من الإرجاء متعلق بالحدث السياسي _ وهذا له اتصال عظيم بالإنسان وحقوقه _ وأما الإرجاء الذي ليس كذلك فلا تجده يحفل بنقده كثيراً إلا إذا وجده عند خصومه في السياق السياسي فيشتد فيه مناكفة
قال أبو بكر الصديق رضي الله عنه :
لَا يَدَعُ قَوْمٌ الْجِهَادَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ إلَّا ضَرَبَهُمْ اللَّهُ بِالذُّلِّ ، وَلَا تَشِيعُ الْفَاحِشَةُ فِي قَوْمٍ قَطُّ إلَّا عَمَّهُمْ اللَّهُ بِالْبَلَاءِ ...
[ سيرة ابن هشام / طبقات ابن سعد ]