=
=
وهذه الدولة الحديثة المؤسساتية أخطر شيء عليها ( المؤسسات الموازية ) مثل الدين مثلاً أو الأعراف العامة أو التجارة التقليدية وغيرها وهذه مؤسسات تهدد هيمنة الدولة فالدولة تفرض عليها القيود بحيث تقلم أظفارها وبعض الدول الحديثة تقرر البطش بها ولكن هذا لا يجدي إلا مؤقتاً بنتائج تكون مبهرة ولكنها مؤقتة ويعود الأمر كما كان بعد زوال توحش الدولة تجاه هذه الأمور وذلك أَن التوحش حالة لا يمكن استمرارها لأنها تتطلب قدراً من القوة والحزم لا يمكن لأحد أَن يتمتع بها طوال الوقت وتحت كل الظروف وهذا لا يتفق لأحد نهائيًا
غير أَن الوسيلة الأنجع لقتل هذه المؤسسات الموازية إقناع الناس بعدم جدواها في مقابل المؤسسة الحديثة فإما أَن تصل لرأس الهرم في الدولة الحديثة من خلال آلياتها وهذا ما اختارته بعض التيارات الحركية وإما أَن تبرز نفسك محاربًا لهذه المؤسسات دون أي قاعدة من المؤسسات الموازية أو قاعدة ضعيفة وهذا مشروع محكوم عليه بالفشل أو مواجهته سهلة وإما تنتظر المخلص وأنت مستسلم للدولة الحديثة
ولو تفكر الإنسان قليلاً لوجد أنه سواء قرر أي قرار من السابقة فلا بد له من استخدام المؤسسات الموازية مثل الوعظ والإرشاد الديني للتبشير بالمشروع والتجارة المتحررة لدعمه أو الاستفادة من الأموال بعموم لدعمه فكيف تؤمن بدور المؤسسات الموازية في تكوين قاعدة لإصلاح الدولة الحديثة أو هدمها ولا تؤمن بقدرة هذه المؤسسات على إصلاح بعض افرازات الدولة الحديثة - هذا إن سلمنا أَن كل شيء عائد إليها حقًا -
وهل ينكر عاقل أثر العرف العام على السلوك خذ مثلاً كثير من البلدان العربية الزنا فيها غير مجرم قانوناً ولكنه لا يفعل علنًا كما في الدول الأوروبية وذلك أَن الدول الأوروبية الزنا فيها مقبول عرفًا
وخذ أعراف الزواج عندنا بكل ما فيها من تشديدات ما أنزل الله بها من سلطان يلتزم بها الناس وكأنها فيها نص منزل مع أَن النظام العام لا يلزمهم بهذا
والخلاصة من هذا العرض الذي قد يكون مملاً للبعض فكرة اعتبار النظام العام علة تامة ( يعني بسببه هو فقط يصلح كل شيء أو يفسد كل شيء ) فكرة فاسدة زرعتها الدولة الحديثة لتفقد الناس إيمانهم بالمؤسسات الموازية التي تضعف سلطان هذه الدولة بل وتفقدهم إيمانهم بقدرتهم على التغيير خارج الخط الذي يرسمونه ( صناديق اقتراع أو مظاهرات سلمية تطالب بسيد عادل ) وهذا الإيمان بمطلقية قوة النظام لا يتناسب نهائيًا مع محاولة إصلاحه أو إسقاطه بل فيه دعوة مبطنة للاستسلام له ومع الأسف صار كثير من الناس كذلك لهذا الهجرة لأوروبا حلم الكثيرين
ومع الأسف مشاريع حركية بنيت على هذه الأفكار الفاسدة ثم أهلها يأتون ويفرضون على طلبة العلم ما يقولون وما لا يقولون وفقا لسياقاتهم العاطفية الحالمة.