بين (نبئ عبادي) و (ونبئهم) وولادة البصيرة التامة
بين (نبئ عبادي) و (ونبئهم) وولادة البصيرة التامة
قال تعالى: ( نبئ عبادي أني أنا الغفور الرحيم (49) وأن عذابي هو العذاب الأليم (50) ونبئهم عن ضيف إبراهيم (51) إذ دخلوا عليه فقالوا سلاما قال إنا منكم وجلون (52) قالوا لا توجل إنا نبشرك بغلام عليم (53) قال أبشرتموني على أن مسني الكبر فبم تبشرون (54)
قالوا بشرناك بالحق فلا تكن من القانطين (55) قال ومن يقنط من رحمة ربه إلا الضالون (56) قال فما خطبكم أيها المرسلون (57) قالوا إنا أرسلنا إلى قوم مجرمين (58) إلا آل لوط إنا لمنجوهم أجمعين (59)
إلا امرأته قدرنا إنها لمن الغابرين (60) فلما جاء آل لوط المرسلون (61) قال إنكم قوم منكرون (62) قالوا بل جئناك بما كانوا فيه يمترون (63) وأتيناك بالحق وإنا لصادقون (64)). [الحجر]
أقول: الآيتان الجامعتان المانعتان ( نبئ عبادي أني أنا الغفور الرحيم (49) وأن عذابي هو العذاب الأليم) جاء بعدها ذكر قصة إبراهيم وقصة لوط لتوكيد الوارد في الآيتين الجامعتين.
ففي قصة إبراهيم معنى آثار أسماء وصفات الجمال ( الغفور الرحيم ).
وفي قصة لوط آثار ( وأنَّ عذابي هو العذاب الأليم ).
وهنا تولد البصيرة كل ما تقرأه في قصص الأنبياء ما هو إلا آثار أسماء الله الحسنى فالمغفرة والرحمة والحلم والعفو وغيرها من الصفات آثارها التامة لأهل الإيمان.
وأما آثار القدرة والغضب والسخط والانتقام فلأهل الكفر وهذه كلها مقدمات للنعيم الكامل الذي تتجلى فيها آثار صفات الجمال كلها ( الجنة ).
والعذاب الكامل الذي تتجلى فيه صفات الجلال كلها ( جهنم ).
وهكذا كل نعمة تراها في هذه الدنيا على أنها من آثار صفات الجمال وينبغي أن يذكرك بجنة النعيم ، وكل شر تراه هو من آثار صفات الجلال وينبغي أن يذكرك بعذاب جهنم.
الملائكة الذين جاءوا لإبراهيم وجس منهم خيفة وكان معهم البشرى والفرج.
والذين جاءوا للوط فرح بهم قوم لوط وكان معهم هلاكهم وفي هذا عبرة كم من شيء يراه المؤمن شراً وهو خير لأنه كفارة ذنوب أو أمر باطنه خير أو يقربه لله وكم من شر يفرح به الكافر وهو في واقعه شر وهكذا حضارة الكفار اليوم التي يعظِّمها الناس وهي واقعها هلاك دنيوي وأخروي.
فشتان بين من ينظر لهذه الدنيا كلها من خلال نظره لآثار أسماء الله وصفاته واستحضاره لأمر الجنة والنار فهذا استلذاذه بالنِّعم تام لأنها تذكِّره بالنعيم المقيم ويحمد الله عليها، وتأثير المصائب عليه أضعف لأنه يستحضر الخلف من الله والكفارة ويكون له في التفكُّر سلوان عظيم.
وبين من هو غافل عن ذلك تماماً أو يظهر التدين وأعظم مظاهر الدين في نفسه أن يكون له فردوساً أرضياً ( نعم في الدين خير الدنيا والآخرة ولكن الدنيا ممر ولا تكون فردوساً أبداً على المواصفات التي في مخيلتهم ).