علاج آفتين عظيمتين في كلمات قليلة عظيمة.
علاج آفتين عظيمتين في كلمات قليلة عظيمة.
قال تعالى: {سيذَّكر من يخشى (10) ويتجنبها الأشقى} [الأعلى]
هاتان الآيتان على وجازتهما وسهولة حفظهما فيهما علاج لآفتين إذا تسللتا لقلب من يدعو إلى الله أعاقتا دعوته.
الآفة الأولى: طلب الكمال في الأتباع والموافقين، فيضيق صدره جدًّا لِما يرى فيهم من النقص، وربما حمله ذلك على اليأس، دون أن يعي أن الهداية درجات، وأن عليه الإصلاح ما استطاع فحسب والأمر بيد الله.
فقوله سبحانه {سيذكر} والذكر يضاده النسيان، وهذا فيه تنبيه على نقص البشر الطبعي، وأن المرء يغفل ويذكر، ويضعف ويشتد.
قال تعالى: {والذين إذا فعلوا فاحشة أو ظلموا أنفسهم ذكروا الله فاستغفروا لذنوبهم ومن يغفر الذنوب إلا الله ولم يصِّروا على ما فعلوا وهم يعلمون} [آل عمران]
قال مقاتل بن سليمان في تفسير هذه الآية: "يقول سيوحد الله من يخشاه، يقول من يخشاه غفر له".
فمقاتل جعل كل من وحد الله وفارق المشركين داخلًا في مسمى من يخشى الله، بمعنى أنه يخشى الشرك ويخشى الخلود في نار جهنم.
ثم بعد ذلك أهلُ التوحيد درجات في تحقيق الخشية، فمنهم من يتقي البدع والكبائر، ومنهم يتقي الشبهات والصغائر، ولا يقع منه إلا اللمم، ولا يكون معنى {من يخشى} مقتصرًا على المعصوم أو مَن حقق الاستقامة في أعلى صورها، وإن كانوا هم رأس أهل الخشية وأعظمهم سلامة يوم القيامة.
ومَن فهِم هذا لم يسرع إليه اليأس إذا رأى نقصًا في الموافقين، ما دام معهم أصل دينهم فلا ييأس منهم، وربما حمله طلب الكمال منهم على المبالغة في التبكيت، على أنه ليس كل تبكيت شديد ناشئًا عن هذا، فقد يكون تربيةً ويراد به مصلحة السامع، وهذه أمور تقدر بحسب المقام.
الآفة الثانية: ضيق الصدر بوجود مخالفين، وتحميل النفس سبب مخالفتهم، وأحيانًا يحسن بهم الظن بشكل مبالغ به، فلا يضل أحد منهم في نظره إلا بسبب غموض الحق، أو أسلوب أهل الحق.
ومع الإقرار بأن طريقة أهل الحق في الدعوة تؤثر في النفوس قبولًا ورفضًا، وأن الأمر ليس شدة دائمة ولا لينًا دائمًا، إلا أن هناك عوامل ضلال أخرى.
منها كبر صاحب الباطل أو إعراضه أو تقصيره في طلب الحق أو ركونه للتقليد أو عظم شأن الدنيا في قلبه، وهذا الغالب في ضلال الناس.
وقد قال تعالى: {ويتجنبها الأشقى} والتعبير بالتجنب دقيق، فهو إما يهرب من السماع، أو لو سمع لم يسمع جهة الإنصاف.
قال الطبري في تفسيره: "حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة، قوله: (فذكر إن نفعت الذكرى سيذكر من يخشى) فاتقوا الله، ما خشي الله عبد قط إلا ذكره (ويتجنبها الأشقى) فلا والله لا يتنكب عبد هذا الذكر زهدا فيه وبغضا لأهله، إلا شقي بين الشقاء".
تأمل قوله قتادة "زهدًا فيه أو بغضًا لأهله" فأرجع ضلال الضالين لآفات فيهم هي سبب كبرهم أو تقصيرهم في طلب الحق أو ركونهم للتقليد، وهي السبب في عدم نظرهم في الوحي على جهة الإنصاف، فهم متجنبون له، فبعضهم ينظر فيه على جهة تطلب الزلل واتباع المتشابه وإيراد الإشكال، ولا يعامل هواه بالطريقة نفسها، وهذا لا يَمنع من دعوة الناس، فالمرء يهديه الله. وقد تزول آفته وتغلبها فطرته، لكن المراد ألَّا تُذهِب نفسك حسرات على أهل الباطل.