الناظر في القرآن الكريم الذي نزل على النبي صلى الله عليه وسلم ليخاطب به خصوما عق
الناظر في القرآن الكريم الذي نزل على النبي صلى الله عليه وسلم ليخاطب به خصوما عقائديين عندهم من أسباب البلاغة والبيان والقوة الدنيوية ما عندهم يجد أن الخطاب فيه لهؤلاء لا يقتصر على الحجاج العقلي أو التنزل مع الخصم
بل هناك نوع آخر من الخطاب وهو الخطاب الوعظي المذكر بالجنة والنار وهناك الخطاب الحكمي والذي يوصف فيه الخصم بأوصاف بليغة تعبر عن حاله كمثل وصف اليهود الذين يحملون التوراة بأنهم كمثل الحمار يحمل أسفارا
النوعان الأخيران من الخطاب لهما أهمية بالغة لا يدركها كثير من المتأخرين الذين تأثروا بالمنطق الأرسطي أو الفلسفة بالعموم أو الحداثة الغربية لأن هذين النوعين فرع عن كوّن الانسان ليس مجرد أفكار حتى يكتفى معه بالخطاب العقلي بل هو أيضا عواطف وأهواء ونوازع تأخذه هنا وهناك وإن كان ذلك على حساب مقتضى الحجة واعتبر ذلك بأنك تجد الرجلين كلاهما يقرران المقدمات المنطقية نفسها ثم تجدهما في كبريات المسائل على مذاهب متناقضة واذا كان هذا حالهم في كبرياتها فكيف بالدقائق ؟
وفِي هذين النوعين من الاستعلاء بالحق ما يحدث تسلية عظيمة في نفوس المؤمنين حتى في أشد أزمنة الاستضعاف
الذي حصل الْيَوْم حتى عند كثيرين من المنتسبين لأهل الحديث والطريقة السلفية أنهم صار عندهم تضخم في الخطاب العقلي الحجاجي مع تقلص غير مبرر في النوعين الأخيرين من الخطاب إلى حد الاختفاء الكلي أو شبه الكلي في أطروحات الكثيرين
فنشأ عن ذلك حالة استضعاف مزمنة وجفوة مع قدر ليس بالقليل من الوحي والآثار بل يصرح كثير منهم بعدم نفع هذا النوع من الخطاب مع المخالفين وكأن القرآن ما نزل على مخالفين ! وقد كان المؤمنون قلة عند نزوله
فإن التقلص في الخطاب الاستعلائي يؤدي إلى حالة وهن بحيث يؤثر في المرء أقل شيء ويضاعف عليه أثر الاستضعاف إن وقع وحتى إن لم يكن هناك استضعاف فهو يتصرف كما يتصرف أشد الناس استضعافا تارة بحجة الأكاديمية وتارة تحت شعارات حداثية صريحة مثل الموضوعية
كما أن التضخم في الخطاب الاستعلائي قد يؤدي إلى الغرور والكبر فكذلك التضخم في الخطاب الحجاجي العقلاني قد يؤدي إلى حالة من الوسواس أو شبهه ومتى ما قلصت أحدها تضخم الآخر تلقائيا
ومن أهم أسباب تضخم الخطاب العقلاني الحجاجي مع تقلص الخطاب الاستعلائي الإفراط في الخطاب الإعذاري ومشاهدة الخصم وما يهوى وما يشتهي وما يدعي أنه يقنعه مع إهمال النظر للموافق وما يمكن أن يثبته أو يعينه على الاستمرار على الحق والقيام بحقوقه
والمحزن حقا أن تجد أهل الباطل عندهم قدر من الخطاب الاستعلائي بيد أن أهل الحق يظنون أن هذا الخطاب ينافي الرحمة بالخلق ويخلطون بين الاستعلاء القائم على مدح النفس والاتكال عليها وبين الاستعلاء القائم على تعظيم الحق واليقين به وتنزيهه عن أن يكون مع الباطل في محل واحد سواء فيذمون الكل
إذا فهمت ما سبق تعرف لماذا لا يؤتي التضخم في الخطاب العقلاني أكله ولماذا طريقة السلف في معالجة الانحرافات الفكرية كانت مختلفة بشكل كبير عن طريقة المعاصرين وأن طريقة السلف وإن استضعف أهلها في بعض الأزمنة فإن أثرهم قوي وباق بخلاف الخطاب المتضخم عقلانيا المتقلص استعلائيا فإن أثره محدود حتى على أهل الحق أنفسهم فضلا عن غيرهم لذا تجد قلة التدين مع الذكاء الجدلي الظاهر أصبح ظاهرة مشاهدة
لذا فنحن مع تجديد الخطاب الدعوي بالعودة إلى طريقة الكتاب والسنة والآثار لا تجديده بمعنى المبالغة في التنزل حتى يصل الأمر للتنازل مع إهمال الخطاب الاستعلائي