كشّاف أبي جعفر

من السؤال إلى موضع الجواب

تخطَّ إلى المحتوى
كشّاف أبي جعفر
المقالات مقالة

التشكيك في المتواترات برواية تاريخية محكوم بغلطها، برهان حقد وتحامل.

المصدر
التشكيك في المتواترات برواية تاريخية محكوم بغلطها، برهان حقد وتحامل. أرسل لي بعض الأخوة كلاماً لشخص يشكك في رواية عبد الله بن أحمد عن أبيه (وقد روى عنه المسند والزهد وفضائل الصحابة وغيرها من الكتب) بحجة مركبة مفادها ما يلي: أن الإمام أحمد تزوج بعد الأربعين، وله رواية يقول أقمت مع أم صالح ثلاثين سنة، وما تزوج أم عبد الله إلا بعد أم صالح وعمر أحمد بن حنبل 77 عامًا فبمجموع هذه المعطيات يكون عمر عبد الله عند وفاة أحمد ثلاث سنوات فقط! هذه النتيجة الأخيرة تخالف قصص أحمد المتواترة جداً مع ابنه عبد الله وأن عبد الله كان يرحل في طلب الحديث في حياة أبيه. فإن قيل: فما توجيهك لما ذكره من المعطيات؟ فيقال: إن ثبت عدم صحة واحدة من هذه المعطيات انتفى اعتراضه من أصله والواقع أن رواية إقامة أحمد مع أم صالح ثلاثين سنة رواية منكرة وقد نقدها كثيرون. فابن الجوزي في مناقب الإمام أحمد يقول : «قلت: قَد ذكرنا عنه أنه قال: أقامت مَعى أُم صالح ثلاثين سنة, وفى هذه الرواية: مكثنا عشرين سنة, وكلتا الروايتين عن المُّروذى, وإحدى الرِّوايتين غَلط بلا شك, لأن أحمد لم يتزوَّج إلا بعد الأربعين, ولم يتزوج بَعد أُم صالح حتى ماتَت, فلو أقام مَعها ثلاثين ومَع الأُخرى عِشرين, تَمَّ له تسعون سنة, وكلُّ ما عاشَ سَبعًا وسبعين, ثمّ كانَ يكون قد تزوَّج أُم عبد الله بعد السبعين, ومعلوم أنه لم يمت إلا وعبد الله يَروى عنه ويُسافر معه, وكان يقول: ابنى عبد الله محظوظ من حفظ الحديث, وقد طَلب الحديث وسمع من العلماءِ فى حياة أبيه الكثير, والذى أراه أن الإشارة بقوله: مكثنا عِشرين سَنة, إلى أُم صالح, والله أعلم, وهاتان زوجتان وما عرفنا أنه تَزوج ثالثة». أقول: حكم ابن الجوزي على إحدى الروايتين بالغلط سليم وحقا رواية الثلاثين سنة غلط بذكر الثلاثين وغلط بذكر أم صالح أيضاً بل هي في أم عبد الله كما استظهره الخلال لا كما استظهره ابن الجوزي، فإن من المعلوم أن عبد الله بن أحمد ولد عام 213 كما نص عليه تلميذه أبو علي الصواف وقد مات أحمد عام 241 يعني كان عمره 28 عاماً لما توفي والده! وعلى تفسير ابن الجوزي يكون عمره عشرين عاماً تقريباً عند وفاة والده إذا أزلنا الكسر من مدة مكوث أحمد مع أم صالح وقلنا هي 18 عاماً أو 17 عاماً ولكنه أزال الكسر فجعلها عشرين. جاء في كتاب الجامع لعلوم الإمام أحمد (2/348) في الحاشية: «(1) هكذا في المصدرين، والصواب أنها أم عبد اللَّه؛ لأن الإمام أحمد لم يتزوج إلا بعد الأربعين بأم صالح، وأنجب منها صالح (203 هـ)، ولم يتزوج بأخرى حتى ماتت، فتزوج بأم عبد اللَّه وأنجب منها عبد اللَّه (213 هـ)، ومات الإمام أحمد (241 هـ). فعلى ذلك يكون مكث مع أم صالح عشر سنوات فقط، ومع أم عبد اللَّه حوالي ثماني وعشرين سنة». وهذا الصواب وكلامهم هذا سبقهم إليه صاحب الفتح الرباني. فإن قيل: ما علة رواية الثلاثين التي خالفت رواية العشرين وذكرت أم صالح؟ الجواب: قال الخطيب في تاريخه حدثني الأزهري، حدثنا عبيد الله بن محمد بن حمدان الفقيه، حدثنا ابن مخلد، حدثنا المروذي قال: سمعت أبا عبد الله أحمد بن حنبل يقول: أقامت أم صالح معي ثلاثين سنة، فما اختلفت أنا وهي في كلمة. في هذا السند عبيد الله بن محمد بن حمدان الفقيه وهو ابن بطة العالم الحنبلي المعروف صاحب الإبانة وهو على جلالته في العلم صاحب أوهام وضبطه ضبط فقهاء لا يضبط الأمر بدقة ومن نظر في الإبانة وجد عامتها على الاستقامة لأنه إنما يذكر أخبار أهل السنة المشهورة ولكن له أغلاط بينة تظهر عند مقارنة رواياته بروايات الآخرين والتأمل فيما ينفرد به لذا يتقى ما يتفرد به إلا أن تكون له دعامة وقد رأيت بعض الناس يأخذون بأخبار هو رواها بألفاظ فيها إشكال ثم هو فسرها بما يدفع الإشكال ومع ذلك يتمسكون بلفظه الذي روى مع ما ذكر من أوهامه ويتركون إيضاحه وبيانه وهؤلاء أهل الخوض في المشكلات والأغلوطات كمسائل اللفظ وما قاربها على أن لفظ الرواية نفسه يفهم على نحو غير ما يريدون. وابن بطة هنا خولف أصالة، وعند المخالفة يرجح بين الروايات فإذا وهم بذكر الثلاثين كما قال ابن الجوزي فلا يبعد وهمه في تعيين الزوجة أيضاً والرواية الأخرى التي خرجها الخلال على أم عبد الله أقوى إسناداً؛ وأخيراً يقال لمن يريد الطعن في المسند أو غيره عامة كتب الأئمة ما فيها من أحاديث موجودة في مصادر أخرى أعلى أو نحوها بالأسانيد نفسها والمتون نفسها فلا تتعبوا أنفسكم بهذه الطعونات الباردة فلن تجنوا شيئاً.