كشّاف أبي جعفر

من السؤال إلى موضع الجواب

تخطَّ إلى المحتوى
كشّاف أبي جعفر
المقالات مقالة

=

المصدر
= هذا المنشور فيه كذب وتلبيس، والعجيب أنه يعبر بألفاظه عن نصوص العلماء. فأولًا حديث: "أنت أحق به ما لم تنكحي" حديث ثابت من طريق عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده، وعامة العلماء على الاحتجاج بهذه الصحيفة، وشذ ابن حزم ودفعها من بين المشتغلين بالفقه. قال ابن القيم في زاد المعاد: "هو حديث احتاج الناس فيه إلى عمرو بن شعيب، ولم يجدوا بُدًّا من الاحتجاج هنا به، ومدار الحديث عليه، وليس عن النبي صلى الله عليه وسلم حديث في سقوط الحضانة بالتزويج غير هذا، وقد ذهب إليه الأئمة الأربعة وغيرهم". والطاعن في هذا الحديث يجني على نفسه لأنه لا يوجد خبر يقول إن الأم أحق بالولد من غيرها سواه، وقد رويت آثار تعضده فهناك أخبار في تخيير الولد. ولهذا ابن حزم لما أسقط الحديث استدل على الحضانة بنصوص الإرضاع في القرآن ومعلوم أن ليس كل محضون رضيعًا، والرضاعة لا تساوي الحضانة التامة، كما أن النفقة والتأديب الذي أمر الله به الرجال لا يساوي الحضانة التامة، وماذا إن أرضعت له أخرى أو أبت الأم الرضاعة، وحتى القائلون بأن جدته تحضنه لا يسقطون حقها في الرضاع وكم من واحدة حضنت ابنها وأرضعته أخرى. واستدل بخبر (من أحق الناس بحسن صحبتي)، والحديث لا دخل له بالباب، فالحديث يخاطب إنسانًا بالغًا ببر أمه، وأما الصغير فليس مخاطبًا بهذا بل الأهل يخاطبون بالإحسان إليه، وكلنا متفقون على أنه بعد البلوغ يلحق بأبيه، فهل لحوقه بأبيه يجعله عاجزًا عن تطبيق الحديث! فابن حزم يقول (ولدها الصغير) ثم يستدل -وهو الظاهري!- بحديث يخاطب الكبير! بأن يحسن لأمه. فعلى هذا لا يوجد حديث صحيح صريح في حضانة الأم غير هذا الحديث. والحديث عن حضانة الصغير، فالصغير المرأة أولى به ما لم تنكح، فإذا بلغ سنًّا معينة خيروه، وبعد البلوغ يلحق بأبيه، وفي مدة حضانته عند أمه لا يُمنع من أبيه، وفي مدة ذهابه لأبيه لا تُمنع أمه منه. وابن حزم مع شذوذه في هذه المسألة إلا أنه قال: "فإن لم تكن الأم مأمونة في دينها ودنياها نظر للصغير أو الصغيرة بالأحوط في دينهما ثم دنياهما، فحيثما كانت الحياطة لهما في كلا الوجهين وجبت هنالك عند الأب، أو الأخ، أو الأخت، أو العمة، أو الخالة، أو العم، أو الخال -وذو الرحم أولى من غيرهم بكل حال، والدين مغلب على الدنيا". ولو طبقنا هذا لسقطت الحضانة عن كثيرات ممن سعدن بمنشور الرجل. وقال عبد الرزاق في المصنف: 13371- معمر، قال: سمعت الزهري يحدث، أن أبا بكر قضى على عمر في ابنه أنه مع أمه، وقال: أمه أحق به، ما لم تتزوج. (وبهذا كان يفتي الزهري) وقد عضد مرسل الزهري مرسل عكرمة، وقضاء أبي بكر هذا هو عاضد الحديث الذي تلقاه علماء الأمصار بالقبول. وما نسبه للإمام مالك والإمام أحمد فيه تلبيس. وهذه كتب المالكية والحنابلة بين أيدينا تنفي ما قال، وإنما قال مالك أن الحضانة لا تسقط بمجرد زواجها حتى يدخل بها الزوج، فمالك يرى سقوط الحضانة بزواجها ولكنه يجعل ذلك لأقرب النساء منها رحمًا إن كن يردن ذلك فإن رفضنه عاد الأمر لأم الأب إن وُجدت. ومالك يرى أن الحضانة تنتهي عند البلوغ وعلامات البلوغ عنده واسعة، فيرى عامة علامات البلوغ المعروفة معتبرة، وأما في الفتاة فيراها إلى أن تزوج، والشافعي يخالفه ويراها تلحق بالأب عند البلوغ. وقال ابن المنذر: "أجمع على هذا كل من أحفظ عنه من أهل العلم قضى به شريح، وهو قول مالك، والشافعي، وأصحاب الرأي وحكي عن الحسن، أنها لا تسقط بالتزويج ونقل مهنا عن أحمد: إذا تزوجت الأم، وابنها صغير، أخذ منها قيل له: فالجارية مثل الصبي؟ قال: لا، الجارية تكون معها إلى سبع سنين فظاهر هذا أنه لم يزل الحضانة عن الجارية لتزويج أمها، وأزالها عن الغلام ووجه ذلك ما روي، أن عليا وجعفرا وزيد بن حارثة، تنازعوا في حضانة ابنة حمزة، فقال علي: ابنة عمي، وأنا أخذتها". وبعد هذا البحث بأجمعه لا يوجد فقيه يقول إن الأم الحاضنة لها الحق بحرمان والد الابن من رؤية ابنه، أو أنه يشاهد ابنه مرة كل أسبوع أو أسبوعين فقط. المُشاهَد في الكثير من المتأثرات بالنفَس النسوي ومَن يتابع هواهن من المتصدرين أنهم يتركون مشاكلَ حقيقية حاضرة مثل مشكلة أطفال الشقاق ومضارة الآباء بأبنائهم ومشكلة تطويل مدة الحضانة بفقه تلفيقي، ثم يتحدثون عن مظلومية لا حضور لها في الواقع. وبقي التنبيه على تفذلك قاله بعضهم في قوله تعالى: (وربائبكم اللاتي في حجوركم من نسائكم اللاتي دخلتم بهن) استدل به على أن الحضانة للأم ولو تزوجت، ولا دليل على المقصود في الآية فغايتها أن تبيِّن أن هناك أمهات يحضنَّ بناتهن حتى وإن تزوجن، وهذا واقع لكون الأب مجنونًا أو أنه هو لا يطالب بالابنة أو مرتدًا أو غيرها من المعاني، فنحن أيضًا إذا قلنا إن الأم أحق بالحضانة فهذا معناه أن ذلك بشروط الحضانة، فلو كانت كافرة أو فاسقة ظاهرة الفسق أو مجنونة يسقط ذلك الحق عنها.