كشّاف أبي جعفر

من السؤال إلى موضع الجواب

تخطَّ إلى المحتوى
كشّاف أبي جعفر
المقالات مقالة

وفرِح الناس!

المصدر
وفرِح الناس! بمناسبة حادثة قتل الطالب الشيشاني للمدرس الفرنسي الذي عرض الصور المسيئة لمقام نبينا الكريم صلى الله عليه وسلم، أذكِّر بهذه الحادثة. قال الذهبي في تاريخ الإسلام: «عساف ابن الأمير أَحْمَد بْن حجيّ، زعيم آل مرّي. [المتوفى: 694 هـ] أعرابيّ شريف، مُطاع. وهو الَّذِي حمى النّصرانيّ الَّذِي سبّ، فدافع عَنْهُ بكلّ ممكن. وكان هذا النّصرانيّ -لعنه الله- بالسُّوَيداء وقع منه تعرُّضٌ للنَبيّ -صلّى اللَّه عليه وسلم- فطلع الشيخان زين الدِّين الفارقيّ، وتقيّ الدِّين ابن تيميّة فِي جمْع كبير من الصُلَحاء والعامّة إلى النّائب عزَّ الدِّين أيْبَك الحَمَويّ، وكلّماه فِي أمر الملعون، فأجاب إلى إحضاره وخرجوا، فرأى الناس عسافا، فكلّموه فِي أمره، وكان معه بدويّ، فقال: إنّه خيرٌ منكم. فرَجَمَتْه الخلق بالحجارة. وهرب عساف، فبلغ ذلك نائب السلطنة، فغضب لافتئات العوامّ. وإلا فهو مُسْلِم يحبّ اللَّه ورسوله، ولكن ثارت نفسه السّبعيّة التُّركيّة، وطلب الشيخين فأخرق بهما، وضُربا بين يديه، وحُبسا بالعذراويّة، وضرب جماعة من العامة، وحبس منهم ستّة، وضرب أيضًا والي البلد جماعة، وعلّق جماعة، ثُمَّ سعى نائب السَّلْطَنَة كَمَا لقّن فِي إثبات العداوة بين النّصرانيّ وبين الَّذِين شهدوا عليه من السويداء ليخلّصه بذلك. وبلغ النّصرانيَّ الواقعةُ فأسلم، وعقد النّائب مجلسًا، فأحضر القاضي ابن الخُوَيّي وجماعة من الشافعيّة، واستفتاهم فِي حقْن دمه بعد الإسلام، فقالوا: مذهبنا أنّ الإسلام يحقن دمه. وأحضر الشَّيْخ زين الدِّين الفارقيّ، فوافقهم، فأُطلق. ثُمَّ أحضر الشَّيْخ تقيّ الدِّين، فطيّب خاطره، وأطلقه والجماعة بعد أن اعتقلوا عدّة أيّام، ثُمَّ أُحضر النّصرانيّ إلى دمشق فحبس، وقام الأعسر المُشدّ فِي تخليصه، فأُطلق وشقّ ذَلِكَ على المسلمين. وأمّا عسّاف فقتله بقرب المدينة النبويّة فِي ربيع الأوّل من هذه السَّنَة ابنُ أخيه جمّاز بْن سُلَيْمَان، وفرح الناس. وكانت القضية فِي رجب سنة ثلاثٍ وتسعين، وحينئذٍ صنَّف شيخنا ابن تيميّة كتاب "الصّارم المسلول على شاتم الرسول" وهو مجلد». تأمَّل قول الذهبي في شأن الذي حمى النصراني ساب الرسول إنه لما قُتِل "فرِح الناس"، يعني بقتله، وليس هو السابّ وإنما حمى السابّ، وذلك لِما كان يحمل الناس من عاطفة دينية صادقة. هذا بغضِّ النظر عن التفصيل الفقهي في الأمر. وأما اعتذار الذهبي للأمير الذي حمى النصراني وأهان الشيخين وضرب العوام بأنه يحب الله ورسوله، فهذا اعتذار مرفوض، وهو من جملة غرائب اعتذارات هذا المؤرخ الكبير، فكيف يحب الله ورسوله ويكون غضبه على من ينتصر لهما أعظم من غضبه على ساب الرسول، هذا الاعتذار سخفٌ لا يليق نهائيًّا بتعظيم مقام الرسول صلى الله عليه وسلم. وعودًا على حادثنا، الشاب الذي قتل المدرس المسيء قتلوه، وقانونهم لا إعدام فيه، وأجزم أنهم كان بإمكانهم اعتقاله حيًّا. وأي تافه سيحاول استغلال الحادثة للحديث عن حنقه على الإسلام وأهله، ذكِّروه بحادثة نيوزلندا، وذلك القاتل الذي لا يزال حيًّا، والذين قتلهم ما سبَّ أحدٌ منهم مقدساته. هذا مع كونهم يجرِّمون إلى اليوم الحديث عن الهولوكست، ثم يثرثرون بحرية الرأي، وهذا كله تنزل، وإلا لو كانوا يسجنون ساب الرسول لرأيناه قليلًا. وقبل أن يأتي متحاذق نقول: الكلام في مناقشة العقائد شيء، والسب الفج والرسوم الساخرة شيء آخر تمامًا.