كشّاف أبي جعفر

من السؤال إلى موضع الجواب

تخطَّ إلى المحتوى
كشّاف أبي جعفر
المقالات مقالة

حول دعوى: أكثر علماء الأمة!

المصدر
حول دعوى: أكثر علماء الأمة! من أكثر الدعاوى ترديدًا عند الأشاعرة المعاصرين قولهم أن الأشعرية أكثر علماء الأمة. وهذه الدعوى تهزُّ الوجدان خصوصًا لإنسان يعتزُّ بأمَّته وأخيارها. ومع كونهم لا يُقدِّمون بيِّنات تفصيليَّة لتصحيح هذه الدعوى (فإحصاء عامة علماء الأمة وتحرير مذاهبهم أمر عسير جدًّا)، إلا أن هذه الدعوى أثَّرت على كثيرين خصوصًا إن جاءت مصحوبة بذكر أسماء جماعة من مشاهير القوم (وكثيرًا لا يَقنعون حتى يُدخلوا فيهم من ليس منهم حبًّا في التكثُّر). بعضهم يُبالغ ويدَّعي أنهم معظم الأمة مطلقًا، ولكن هذه دعوى مثيرة للسخرية، فعامة العوام لا يفهمون عقائدهم باعتراف العز بن عبد السلام والغزالي وغيرهم، وهذا مُشاهَد حتى ادَّعى ابن قدامة أنهم يمارسون التقية ويكتمون مذهبهم الحقيقي عن الناس. ومَن تأمَّلها وجدها دعوى أن معظم المؤلفين المشاهير من المتأخرين منهم، وهذه الدعوى وإن لم تسلم غير أن هذه الصياغة جيدة في فهم حقيقة الفكرة ثم نقضها، ونقضُها من وجوه: أولها: أنها تعويل على مقياس متغيِّر، فعدد علماء الأمة يزيد بمرور الأعصار، فَلَو قدر أن في عمر الأمة ألف عام وكان علماء هذه الألف عامتهم ليسوا أشاعرة فإن هذه الحجة سيخفت بريقها خصوصًا وأن الناس يأخذون عن الآخر فالآخر في غالبهم. بل هذه الحجة لم تكن صالحة للاستخدام نهائيًّا قبل ألف عام لمَّا كان الأشعرية حاضرين ولكن معظم هذه الجهود العلمية التي يفاخرون بها غير موجودة، فتخيَّل أن حنبليًا يُنكِر على أشعري عقيدتَه، فيقول له الأشعري: عقيدتنا صحيحة أو لا يجوز التشنيع عليها لأنه بعد مئات السنين سيؤلِّف أصحابنا مؤلفات كثيرة! والكثرة ليست حجة، وقد ورد في الحديث "أكثر منافقي أمتي قُرَّاؤها" نزَّله البخاري ببصيرته النافذة على أهل الأهواء في خلق أفعال العباد. الوجه الثاني: • أن (علماء الأمة) لا يساوون (أصحاب المؤلفات في الأمة)، فالفقهاء السبعة في المدينة مثلًا ليس لهم مؤلفات، ولكنَّ علومهم في كل كتاب فقه، بل الصحابة الكرام ليس لهم مؤلفات، فحين تعُدُّ علماء الأمة وتُغفل هذه الطبقة فما أنصفت. وكثيرٌ من شيوخ الرواية والأسانيد الذين تُروى الكتب من طريقهم في الطبقات المتأخرة ما لهم مؤلفات، ومع ذلك هُم من كبار علماء الأمة الذين حُفظت بهم الأخبار. • ثم (أصحاب المؤلفات في الأمة) لا يساوون (أصحاب المؤلفات الموجودة الْيَوْم)، فهناك مؤلفات كثيرة مفقودة وبقيت آثارها في تصانيف غيرهم، فأنت لو نظرت في تفسير الطبري مثلًا لوجدته متضمِّنًا لتفاسير عدد كبير من الأئمة، هي مؤلفات متفرقة جمَعها وضبطها ورواها بإسناده وعلَّق عليها. وهذا الرازي ذكر الشاطبيُّ في الإفادات والإنشادات أنه جمَع تفسيرَه من أربعة تفاسير معتزلية (وهي تفاسير مفقودة اليَوْم، ولكن لولاها ما كان تفسير الرازي المشهور، وهذا كثير في كتب العلم جدًّا). وهذا أبو حامد الإسفراييني وابن سريج، كلاهما يتَّفق الشافعيةُ (أشعرية وغيرهم) على عدِّهم في المجدِّدين، وجمهرة تصانيفهم مفقودة. بل حتى إمام أهل الرأي ما له كتاب حاضر يثبت عنه. • ثم (أصحاب المؤلفات الموجودة) لا يساوون (أصحاب المؤلفات المشهورة)، فهناك الكثير من الشخصيات العلمية والمؤلفات القوية التي لا يعرفها كثير من طلبة العلم، واشتهار التصانيف في الأزمنة المتأخرة له متعلقات بسهولة التصنيف ولغته، وقد يكون ذلك سببًا في اشتهاره أكثر من الإحكام العلمي، مع عوامل أخرى مؤثرة. وبناءً على التفصيل السابق، إذا تكلَّمت عن علماء التفسير فاذكر ابن عباس وابن مسعود وعلي بن أبي طالب ومجاهد وسعيد بن جبير وعكرمة وغيرهم ممن ليسوا أصحاب مؤلفات. واذكر قتادة وابن أسلم وروح بن عبادة ومقاتل بن حيان وغيرهم ممن لهم مؤلفات مفقودة. واذكر السمعاني وابن أبي زمنين ويحيى بن سلام ومقاتل بن سليمان ممن لهم تفاسير غير مشهورة. وهؤلاء وكثير غيرهم ما كانوا أشاعرة ولا أهل كلام، وعلى هذا فَقِس.. وإذا عدَدْت بهذه الطريقة سيتضخَّم عندك عدد المخالفين للقوم ويتضاءل عددهم بأعظم مما ذكره ابن عبد الهادي في جمع الجيوش والدساكر. الوجه الثالث: أن العلماء ليسوا بالعدد، فكثير من الأشعرية قائلون بانقطاع الاجتهاد، والمجتهد عندهم بألف متفقهٍ غيرِ مجتهد بل أكثر، فما بالهم هنا يعتدون بالعدد على طريقة الديمقراطيين. فمثلًا الشافعي لو وُضع في كفة ووضع فقهاء مذهبه في كفة لرجح بهم؛ لأنهم احتاجوا إليه ولَم يحتج إليهم بقدر ما احتاجوا إليه، ومنَّتُه عليهم أعظم، وهم معترفون بذلك. لذا عامة الجهود العلمية لأهل الكلام ينتهي سندها بعالم من أهل الحديث يُخالفون عقيدته! فيُقال الكثرة نوعية وليست كمِّية، وما فيكم من خير فمن بركة من تُخالفون عقيدتهم (هذه خلاصة).