كشّاف أبي جعفر

من السؤال إلى موضع الجواب

تخطَّ إلى المحتوى
كشّاف أبي جعفر
المقالات مقالة

=

المصدر
= وقال الدارمي أيضًا: "فيقال لهذا المعارض: فكيف جعلت أنت أثرا ما رويت في رد مذهبنا عن أبي حنيفة، وأبي يوسف، وأبي أسامة، وأبي معاوية، والمريسي، واللؤلؤي، والثلجي؟ فإن لم يكن ما روينا من ذلك عن جعفر بن محمد، وعمرو بن دينار، وبقية بن الوليد، وابن المبارك، ووكيع، وعيسى بن يونس، ونظرائهم أثرا عندك؛ فأبعد من الأثر ما احتججت في رده عن المريسي، والثلجي، واللؤلؤي ونظرائهم. فكيف أقمت أقاويل هؤلاء المتهمين لنفسك أثرا، ولا تقيم أقاويل هؤلاء المتميزين لنا أثرا". فالدارمي يقول للمعترض كيف تستدل علينا بأناس مطعون في عقيدتهم أو في حديثهم بروايات ترويها ولا ترى لنا أن نقيم على ديننا حجة بآثار نرويها عن أئمة متفق عليهم ومحتج بهم بين جميع المسلمين في رواية الأحاديث، وجعل من ضمن المتهمين أبا حنيفة، وهذا يتسق مع كلام أهل الحديث في ذلك الزمان في الرجل. وحين أورد المعترض الذي يرد عليه الدارمي كلمة أبي يوسف بأن آثار التابعين لا تسمى آثارًا (بمعنى أنها لا تُذكر للاحتجاج ولو تعاضدت) قال الدارمي: "فإن لم يكن عند أبي يوسف ما روي عن التابعين أثرا، فبئس ما أثنى على زعيمه وإمامه أبي حنيفة، إذ يشهد عليه أن عامة فتياه بغير أثر؛ لأن عظم ما أفتى وأخذ به أبو حنيفة، مما رواه عن حماد عن إبراهيم، وكان من أتباع التابعين فقد شهد على أبي حنيفة أنه كان يفتي بغير أثر، وعلى نفسه أنه تبعه في فتياه من غير نظر، فإن لم يكن ما روى عن التابعين آثار عند أبي يوسف وعندكم، فكيف سميت رأي إبراهيم: آثار أبي حنيفة؟ وإنما إبراهيم من أتباع التابعين. كذبتم إذا فيما ادعيتم من ذلك لأبي حنيفة أنه أثر، وليس كذلك عندكم". يقول الدارمي إن الأمر إذا كان كذلك فمعظم مذهبهم ليس مبنيًّا على آثار فغالب ما تعتمدونه من الآثار هو المروي عن إبراهيم النخعي. ويقول الدارمي في رده على المريسي: "وكيف تستفتي المريسي، وقد رويت عن أبي يوسف، أنه هم بأخذه، وتنكيله في هذه الضلالات، حتى فر منه إلى البصرة؟ فإن يكن ما قال بشر حقا فبؤسا لك ولأصحابك الذين قلدتم دينكم أبا حنيفة، وأبا يوسف، ومحمد بن الحسن في أكثر ما تفتون مما لا تقعون من أكثره على كتاب ولا سنة. غير أنا نقول: إن على العالم باختلاف العلماء، أن يجتهد ويفحص عن أصل المسألة، حتى يعقلها بجهده ما أطاق، فإذا أعياه أن يعقلها من الكتاب والسنة فرأي من قبله من علماء السلف خير له من رأي نفسه، كما قال ابن مسعود -رضي الله عنه-: «ألا لا يقلدن رجل منكم دينه رجلا، إن آمن آمن وإن كفر كفر، فإن كنتم لابد فاعلين، فالأموات، فإن الحي لا يؤمن عليه الفتنة»". هنا يشرح مفارقة يقع فيها الجهمية إلى يومنا هذا، وهي أنك تجد المرء منهم يقلد في الفروع شخصًا يخالفه في العقيدة، وهو يتعجب منهم أنهم يقلدون أبا حنيفة وأبا يوسف والشيباني في خلافيات الناس ويقول الدارمي أن غالب أقوالهم في الخلافيات لا أصل لها في الكتاب والسنة، وهذا ذم واضح لمذهب أهل الرأي. ويقول أن الواجب على الإنسان العالم باختلاف الناس (لا العامي) في الخلافيات أن يجتهد في اتباع الكتاب والسنة، فإن لم يفهم المسألة قلَّد علماء السلف، وهذا من أعدل ما قيل في قضية التمذهب. وفي آخر كتاب الدارمي تكلم عن أبي حنيفة كلامًا أخذه الباحث المدافع عن أبي حنيفة واعتبره تزكية من الدارمي لأبي حنيفة وتبرئة له من مطلق التجهم ودعوى أن خطأه مثل خطأ غيره من الفقهاء! مع أن الكلام يناقض هذا. قال الدارمي في الرد على المريسي بعدما ذكر عن المعترض موافقته لجهم في نفي صفة العلم: "ويحك! إن الناس لم يرضوا من أبي حنيفة إذ أفتى بخلاف روايات رويت عن النبي -صلى الله عليه وسلم- في «البيعين بالخيار ما لم يتفرقا»، وفي «الوضوء من لحوم الإبل» و «إشعار البدن» وفي «إسهام الفارس والراجل» وفي «لبس المحرم الخفين إذا لم يجد النعلين» وما أشبهها من الأحاديث حتى نسبوا أبا حنيفة فيها إلى رد حديث رسول الله -صلى الله عليه وسلم-، وناقضوه فيها، ووضعوا عليه فيها الكتب. فكيف بمن ناصب الله في صفاته التي ينطق بنصها كتابه، فينقضها على الله صفة بعد صفة، وشيئا بعد شيء بعمايات من الحجج وخرافات من الكلام خلاف ما عنى الله، ولم يأت بشيء منها الروايات، ولم يوجد شيء منها عن العلماء الثقات، بل كلها ضحك وخرافات؟ فإن كان أبو حنيفة استحق بما أفتى من خلاف تلك الروايات أن ينسب إلى رد حديث رسول الله -صلى الله عليه وسلم-؛ استحققتم أنتم أن تنسبوا إلى رد ما أنزل الله -عز وجل-، بل أنتم أولى بالرد من أبي حنيفة؛ لأن أبا حنيفة قد وافقه على بعض فتياه بعض الفقهاء، ولم يتابعكم على مذاهبكم إلا السفهاء وأهل البدع والأهواء، ومن لا يعرف له إلها في السماء، فشتان ما بينكم وبين أبي حنيفة فيما أفتى؛ لأنه ليس من كفر كمن أخطأ، ولا هما في الإثم والعار سواء". = = تأمل كلامه، يقول: "الناس لم يرضوا من أبي حنيفة"، وهذا نقل لاتفاق الناس على عدم الرضا بمنهج الرجل في الفقه، وهذا نحو الإجماع الذي نقله عبد الله بن أحمد في السنة وحرب الكرماني في عقيدته وابن أبي داود والبخاري على المضمون نفسه. ثم يقول: "حتى نسبوا أبا حنيفة فيها إلى رد حديث رسول الله -صلى الله عليه وسلم-"، وهذا يبيِّن أن غلطه ليس مثل غلط غيره من الفقهاء، فإن غيره كانوا يُفتون بالقياس أو الأثر عن الصحابي أو التابعي إن لم يأتهم الحديث، وأما هو فكان يردُّ الأخبار إذا جاءته ويؤصِّل الأصول في ذلك، وليس معنى هذا أنه لم يكن يؤمن بالسنة بل كان مؤمنًا بها محتجًّا بشيء كثير من الأحاديث، ولكنه خالف في أخبار معينة ثابتة عند أهل العلم، وقَبِل ما هو أوهى منها بكثير أو كان نظيرًا لها، وأكثرَ من ذلك، فاتفقت كلمة العلماء على ذمِّه، أعني من المتقدمين، أو كان هذا قول غالبهم. وكثير من المنتسبين لأهل الحديث في زماننا يستعيرون أصول الحداثيين في هذه القضية، فتجده يزعم أن هذه تاريخية، وكأن علماء الحديث تكلموا في الرجل لأمر شخصي انقضى بوفاته، وليس الكلام بسبب منهج علمي ازداد بُعدًا عن السنة بعد وفاته. ومنهم من يصوِّب المتقدمين ويصوِّب من خالفهم على أصل الحداثيين أن الحق يتعدد، فيكون في الزمن القديم الرق لا إشكال فيه لاتفاق الناس عليه ولكن في زماننا يُمنع منه لأننا تطورت عقولنا وصرنا أرقى من أسلافنا، فهم حق بحسبهم ونحن حق بحسبنا، وقد يأتي لنا خلف يكون له قول ثالث هو حق بحسبه. ثم إن الدارمي يقول أن ذم الجهمية أولى من ذم أبي حنيفة وهذا حق، ويقول أن أبا حنيفة وافقه في (بعض قوله) وليس (كل قوله) بعض الفقهاء، غير أن موافقتهم له ليست من باب رد الأخبار وإنما من باب الجهل بها، أمَّا هو فقد ثبت عنه رد الأخبار عند من تكلم فيه وتقديم القياس على خبر الواحد مع مخالفة القياس أحيانًا لأخبار ضعيفة، وهذا تناقض ظاهر، وكذلك رد خبر الواحد فيما تعم به البلوى مع قبوله لبعض الأخبار الضعيفة فيما تعم به البلوى، ومع القول بالحيل وغيرها. ثم يختم كلامه بقوله "ولا هما في الإثم والعار سواء"، ففهم المعترض من كلامه أنه لا إثم ولا عار على أبي حنيفة! مع أن الدارمي يستدل بذم السلف له بأن الجهمية مستحقون للذم من باب أولى، فكيف يرى خطأه اجتهاديًّا والحال هذه، وإنما نفى التكفير، والخطأ الاجتهادي لا يُنفى فيه التكفير بل يُنفى التكفير والتبديع معًا. وقد تقدم معنا رفضه لقياس الشيعة الأولى والمرجئة والقدرية على الجهمية مع تبديعه لكل هذه الفرق، فكلامه في إمام أهل الرأي من هذا الباب. وأخيرًا: كثير من المعاصرين يقولون إن المصلحة في السكوت عن هذه المسألة، لكن مستوى الكذب والتدليس والاستهانة بعقول الخلق في هذا الباب لا يدخل في الحصر، وكثرة الاستدلال بالأخبار المكذوبة في مدح الرجل مع الإغضاء عن الآثار الثابتة في ذمه هذا لا يمكن أن يكون فيه مصلحة. ومع كلام الكثير من الحداثيين وأشباههم بسبِّ أهل الحديث الذين تكلموا في الرجل فالقول بأن السكوت عن كل هذا مصلحةٌ رقة دين ظاهرة. وما رأيت الكثير من الباحثين المنتسبين لأهل الحديث أجسر على تصديق الروايات المكذوبة وتكذيب المتواترات تقليدًا لمتعصبة الأحناف منهم في هذا البحث، وتجدهم يقلدون مسالك أهل الأهواء الذين ينقضون عليهم في الأبحاث الأخرى ظنًّا منهم أن اجتماع الكلمة يكون بإقرار الكذب والتدليس أو المساهمة فيه، وما أجهلهم بالله، وكثير اليوم من المنتسبين للملة يفكر في التمكين في الأرض أكثر من تفكيره بوقوفه بين يدي الله عز وجل، والتمكين إنما يُنال بالصدق والطاعة لا بهذه البهلوانيات. وكثير من الباحثين الذين يقلدون الحداثيين بقولهم (أهم شيء الحقيقة) ويتكلمون عن البحث العلمي الموضوعي هم من أجبن خلق الله في هذا الملف، لا يُظهرون منه إلا ما يناسب المزاج العام، ثم تجده يتمطق بنقد (الرسالية) والبعد عن التعصب، وما هو إلا حركي حول وجهة الحركة فحسب، وإلا فهل يوجد باحث محترم يرضى بهذه المهازل التي تحصل في مبحث الخلاف بين أهل الحديث وأهل الرأي؟