الظلم باسم الإنصاف، والإفساد باسم المصلحة..
الظلم باسم الإنصاف، والإفساد باسم المصلحة..
قال ابن المبارك في الزهد أخبرنا يحيى بن سعيد، عن القاسم بن محمد، عن ابن عباس أنه قال له رجل: رجل قليل العمل قليل الذنوب أعجب إليك، أو رجل كثير العمل كثير الذنوب؟ قال: «لا أعدل بالسلامة».
أقول: هذا الأثر مما يستبشر به الإنسان السني الذي يكون بعيدًا عن البدع المغلظة وإن رأى بعض المتلبسين بها لهم فضائل كبيرة -أو ما يظنه الناس كذلك-، على أن المرء لا ينبغي أن يتكل على سنيته بل يحرص على الازدياد من الخير والبعد عن وعيد الكبائر كما ابتعد عن وعيد البدع.
ومما يؤكد على هذا المعنى الذي استفدته من الأثر قول عبد الله بن عمر في القدرية: لو أن لأحدهم مثل أحد ذهبا، فأنفقه ما قبل الله منه حتى يؤمن بالقدر. رواه مسلم
وهذا يُبيِّن خطورة البدع والمحدثات على الحسنات خصوصًا في إنكار الثابت، كمثل إنكار القدر، وأشد منه إنكار الصفات وإن زعمت أنك تريد تنزيه الله عز وجل.
وعن أبي سعيد الخدري: كان بين خالد بن الوليد، وبين عبد الرحمن بن عوف شيء، فسبه خالد، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «لا تسبوا أحدا من أصحابي، فإن أحدكم لو أنفق مثل أحد ذهبا، ما أدرك مد أحدهم، ولا نصيفه». رواه مسلم
وخالد وعبد الرحمن كلاهما صحابي مجاهد فاضل، ولكن عبد الرحمن سبق خالدًا في الهجرة فكان له عليه هذا الفضل العظيم، وهذا قد يُستدل به على فضل السني الذي ما تلبَّس ببدعة ولا ضلالة على المبتدع الضال، فإن السني ملحق بالصحابة (ما أنا عليه اليوم وأصحابي) ووعيد البدعة شديد، فإذا كانت هذه المفاضلة بين اثنين ما لحق بأحدهم وعيد فما بالك بالمفاضلة بين اثنين أحدهما لاحق به وعيد شديد، وعيد بدعة يُرى أنها مكفرة.
والأمر نفسُه يقال في حديث فضل فقراء المهاجرين على أغنيائهم وأنهم يدخلون الجنة قبلهم بأربعين خريفًا.
ومع هذا كله لو قال إنسان في خالد بن الوليد بأنه (لا يساوي شسع نعل عبد الرحمن بن عوف) فإن هذه الكلمة ستكون إزراءً ظاهرًا في نفوس الكثيرين، مع أن التفاضل بينهم ثابت في حديث النبي صلى الله عليه وسلم وليس ذوقًا شخصيًّا لبعض العاطفيين.
وفي سؤالات أبي عبيد الآجري لأبي داود: 812- وسمعت أبا داود يقول: سمعت أبا سلمة موسى، قال: سمعت سلام بن أبي مطيع، وكان يقال: هو أعقل أهل البصرة، وكان في السنة.
قال أبو داود: هو القائل: لإن ألقى الله بصحيفة الحجاج أحب إلي من أن ألقى الله بصحيفة عمرو بن عبيد.
والحجاج مبتدع في نفسه وظالم مبير، ولكن عمرو بن عبيد مع عبادته وزهده نشر في الناس بدعًا خطيرة جرَّت على الناس ويلات عظيمة.
قال الخلال في السنة 1769- سمعت أبا بكر المروذي، قال: سمعت أبا عبد الله، وذكر الجهمية، فقال: «إنما كان يراد بهم المطابق، تدري أي شيء عملوا هؤلاء في الإسلام؟» قيل لأبي عبد الله: الرجل يفرح بما ينزل بأصحاب ابن أبي دؤاد، عليه في ذلك إثم؟، قال: «ومن لا يفرح بهذا؟» قيل له: إن ابن المبارك قال: «الذي ينتقم من الحجاج، هو ينتقم للحجاج من الناس». قال: «أي شيء يشبه هذا من الحجاج؟ هؤلاء أرادوا تبديل الدين».
والجهمية الذين يقول فيهم أحمد هذا غاية ما أُخذ عليهم القول بخلق القرآن وهذا ما امتحنوا الناس عليه.
قال ابن تيمية في بيان تلبيس الجهمية في تأسيس بدعهم الكلامية (3/ 522): "إذا عرف ذلك فالجهمية أظهروا مسألة القرآن وأنه مخلوق وأظهروا أن الله لا يُرى في الآخرة ولم يكونوا يُظهرون لعامة المؤمنين وعلمائهم إنكار أن الله فوق العرش وأنه لا داخل العالم ولا خارجه وإنما كان العلماء يعلمون هذا منهم بالاستدلال والتوسم كما يعلم المنافقون في لحن القول قال الله تعالى: {وَلَوْ نَشَاء لَأَرَيْنَاكَهُمْ فَلَعَرَفْتَهُم بِسِيمَاهُمْ وَلَتَعْرِفَنَّهُمْ فِي لَحْنِ الْقَوْلِ} [محمد 30]، فأقسم سبحانه وتعالى أن المنافقين لتعرفنهم في لحن القول، وهذا كما قال حماد بن زيد الإمام الذي هو من أعظم أئمة الدين: القرآن كلام الله نزل به جبريل ما يحاولون إلا أن ليس في السماء إله، وقال أيضًا سليمان بن حرب: سمعت حماد بن زيد وذكر هؤلاء الجهمية فقال إنما يحاولون أن يقولوا ليس في السماء شيء، وقال عباد بن العوام الواسطي: كلمت بشر المريسي وأصحاب بشر فرأيت آخر كلامهم ينتهي أن يقولوا ليس في السماء شيء، وقال عبد الرحمن بن مهدي ليس في أصحاب الهواء شر من أصحاب جهم يَدُورون على أن يقولوا ليس في السماء شيء أرى والله أن لا يناكحوا ولا يوارثوا، وقال أيضًا: أصحاب جهم يريدون أن يقولوا ليس في السماء شيء وأن الله ليس على العرش أرى أن يستتابوا فإن تابوا وإلا قتلوا".
وعليه فإن متأخري الأشعرية قالوا بمقالة الجهمية الأشد والتي كانوا يستترون بها عن العامة.
=