أسئلة البداية والنهاية والأخلاق وسذاجة اللادينية
أسئلة البداية والنهاية والأخلاق وسذاجة اللادينية
قال تعالى: {والتين والزيتون • وطور سينين • وهذا البلد الأمين • لقد خلقنا الإنسان في أحسن تقويم • ثم رددناه أسفل سافلين • إلا الذين آمنوا وعملوا الصالحات فلهم أجر غير ممنون • فما يكذبك بعد بالدين • أليس الله بأحكم الحاكمين} [التين]
فإن قيل: ما علاقة خلق الإنسان في أحسن تقويم بالدلالة على يوم الدين (البعث)؟
فيقال: جاحدو البعث صنف طبائعي يدعي أن الطبيعة هي من خلقته، وهؤلاء يمثلهم غلاة التطوريين اليوم، وهؤلاء يقفون أمام معضلة أننا إذا كنا جئنا إلى هذه الدنيا لنعيش ونموت فحسب فما فائدة الوعي والكلام والقدرة على استخدام النار والرياضيات والمقدرة على فرز الكثير من الكائنات الأخرى والانتفاع بها وغيرها من الأمور التي يختص بها الإنسان من دون بقية الكائنات، لماذا استمر التطور حتى جاء بالإنسان على هذه الصفة مع أننا نجد كائنات كثيرة أطول عمرًا من الإنسان وليس عندها هذه الأمور.
يقول ستيفن هاوكنج في كتابه [الكون في قشرة جوز] (وهو علموي تطوري ولكنه فيزيائي): "فإننا ننحو إلى أن نرى الذكاء نتيجة حتمية للتطور إلا أن في وسع المرء أن يشك في ذلك فليس من الواضح أن للذكاء قيمة كبيرة في استمرار البقاء والبكتيريا تجيد البقاء تمامًا بدون ذكاء وسوف تستمر باقية".
وأركان الاختبار في الدنيا أن يكون عند مَن يراد اختباره أدوات تؤهله لدخول الاختبار من وعي وكتب، وربما يوجد معلمون يشرحون له ويعينونه، ثم وجود أمد للاختبار عنده ينتهي الاختبار، وهذا هو حال الناس في الدنيا، عندهم هذه الأدوات وكلهم يموتون، فالزمان ليس عامل بناء مطلقًا كما يظنه التطورويون بل هو يبني إلى أمد ثم يهدم، وهذه الحجة المشار إليها في قوله {ثم رددناه أسفل سافلين}.
وأما منكرو البعث من كفار قريش ومن يوافقهم من الربوبيين المعاصرين الذين يقولون إن الله خلقنا ثم لا يقطعون بالبعث فهؤلاء أمام معضلة وتناقض أكبر، وذلك أنهم يُثبتون الحكمة والإحكام في ابتداء الخلق وينفونه في نهايته، ولا تجد حجة على الخلق إلا وهي مثبتة للحكمة أيضًا.
فتأمل ما في هذه الآيات على وجازتها من هذه المعاني العظيمة التي تدمغ كل مبطل في أي زمان، وصدق من قال: "ما مبطل إلا والرد عليه في القرآن، علمه من علمه وجهله من جهله".
أقول: هذا الكلام كتبته قديمًا وخطر لي بعضه لما قرأت كتابًا لأحد اللادينيين العرب يتكلم فيه عن السحر في الحضارات القديمة والأسطورة وعلاقة العلم بالدين.
يصورون لك أمر الدين على أنه مجرد أفكار ساذجة ناشئة عن عدم المقدرة على تفسير بعض الأمور.
فخطرت لي سورة التين، فتجد فيها {لقد خلقنا الإنسان في أحسن تقويم} فهذا فيه إشارة لسؤال البداية (من أين جئنا) والإشارة إلى حسن التقويم بما لا يمكن إرجاعه إلى الصدفة ولا يوجد شيء مخبري يمكن أن ينقض كون البداية للمخلوق يشير إلى الخالق، فالأمر في تفسير وجود المخبر من أساسه وليس الحديث عما يمكن أن يفسره المختبر.
ثم قوله تعالى: {ثم رددناه أسفل سافلين} إشارة إلى سؤال النهاية (إلى أين نذهب) وما الذي أراده منا مَن أوجدنا وأن الزمن عامل هدم بالنسبة للفرد وليس عامل تطور.
وقوله {إلا الذين آمنوا وعملوا الصالحات فلهم أجر غير ممنون} هو الجواب الضمني للأسئلة، وطرح معضلة كبيرة وهي أن الفضيلة في هذا العالم لا تنتصر دائمًا مع أنها في نفوس الناس فضيلة ونفوسهم متشوفة للعدل.
ثم إن اللاديني يطرح خيار تخطئة كل دين ولا يطرح خيار وجود دين صحيح وأن عبادة الله فطرة ولكنها تعرضت لتشويه أهل الإشراك والابتداع، فمن هنا جاء الاختبار.