كشّاف أبي جعفر

من السؤال إلى موضع الجواب

تخطَّ إلى المحتوى
كشّاف أبي جعفر
المقالات مقالة

يقول شيخ الإسلام ابن تيمية: ( والقلب فقير بالذات إلى الله من جهتين: من جهة العبا

المصدر
يقول شيخ الإسلام ابن تيمية: ( والقلب فقير بالذات إلى الله من جهتين: من جهة العبادة والعلة الغائية، ومن جهة الاستعانة والتوكل وهي العلة الفاعلية . فالقلب لا يصلح ولا يفلح ولا يسر ولا يلتذ ولا يطيب ولا يسكن ولا يطمئن إلا بعبادة ربه والإنابة إليه، ولو حصل له كل ما يلتذ به من المخلوقات لم يطمئن ولم يسكن. إذ فيه فقر ذاتي إلى ربه، من حيث هو معبوده ومحبوبه ومطلوبه، وبذلك يحصل له الفرح والسرور واللذة والنعمة والسكون والطمأنينة . وهذا لا يحصل إلا بإعانة الله له، لا يقدر على تحصيل ذلك إلا الله، فهو دائماً مفتقر إلى حقيقة { إِيَّاكَ نَعْبُدُ وإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ } [الفاتحة/5]. فإنه لو أعين على حصول ما يحبه ويطلبه ويشتهيه ويريده ولم يحصل له عبادة الله، بحيث يكون هو غاية مراده ونهاية مقصوده، وهو المحبوب له بالقصد الأول وكل ما سواه فإنه يحبه لأجله، لا يحب شيئاً لذاته إلا الله. فمتى لم يحصل له هذا لم يكن قد حقق حقيقة ( لا إله إلا الله ) ولا حقق التوحيد والعبودية والمحبة. وكان فيه من النقص والعيب، بل ومن الآلام والحسرة والعذاب بحسب ذلك. ولو سعى في هذا المطلوب ولم يكن مستعيناً بالله متوكلاً على الله مفتقراً إليه في حصوله لم يحصل له، فإن ما شاء الله كان وما لم يشأ لم يكن . فهو مفتقر إلى الله من حيث هو المطلوب المحبوب المراد المعبود، ومن حيث هو المسؤول المستعان به المتوكل عليه. فهو إلهه لا إله له غيره. وهو ربه لا رب له سواه. ولا تتم عبوديته إلا بهذين. فمتى كان محباً لغير الله لذاته، أو ملتفتاً إلى غير الله أنه يعينه كان عبداً لما أحبه وعبداً لما رجاه، بحسب حبه ورجائه إياه. و إذا لم يحب لذاته إلا الله، وكل ما أحبه سواه فإنما أحبه له. ولم يرج قط شيئاً إلا لله. و إذا فعل ما فعل من الأسباب أو حصل ما حصل منها كان شاهداً أن الله هو الذي خلقها وقدرها، و أن كل من في السماوات و الأرض فالله ربه وخالقه هو فقير إليه. كان قد حصل من تمام عبوديته لله بحسب ما قسم له من ذلك، والناس في هذا على درجات متفاوته لا يحصي طرقها إلا الله. فأكمل الخلق وأفضلهم وأعلاهم وأقربهم إلى الله، وأقواهم وأهداهم أتمهم عبودية لله من هذا الوجه. وهذا هو حقيقة دين الإسلام الذي أرسل الله به رسله وأنزل به كتبه. وهو أن يستسلم العبد لله لا لغيره، فالمستسلم له ولغيره مشرك والممتنع عن الاستسلام له مستكبر)