كشّاف أبي جعفر

من السؤال إلى موضع الجواب

تخطَّ إلى المحتوى
كشّاف أبي جعفر
المقالات مقالة

ابن عابدين حنفي نقشبندي ماتردي فلا يستغرب منه مثل هذا.

المصدر
ابن عابدين حنفي نقشبندي ماتردي فلا يستغرب منه مثل هذا. بعض الناس يحاول أن يصور الأمر على أنه خلاف سياسي قديم وانتهى، والواقع أنه خلاف عقدي عميق فيه حق وباطل. فقد روى الخلال بسند صحيح عن الإمام أحمد أنه قال: "بلغني أن أبا خالد وموسى بن منصور وغيرهم يجلسون في ذلك الجانب، فيعيبون قولنا، ويدعون إلى هذا القول، أن لا يقال: مخلوق ولا غير مخلوق، ويعيبون من يكفر، ويزعمون أنا نقول بقول الخوارج". ثم تبسم أبو عبد الله كالمغتاظ. وقد كان من هؤلاء محمد بن شجاع الثلجي وهو فقيه حنفي وإن لم تكن عقيدته كعقيدة مؤسسي المذهب. وقال ابن القيم في النونية شاكيا حكم مخالفيه عليه بالتكفير والخارجية معا: وخصومنا قد كفرونا بالذي * هو غاية التوحيد والإيمان ومن العجائب أنهم قالوا لمن * قد دان بالآثار والقرآن أنتم مثل الخوارج وأنهم * أخذوا الظواهر ما اهتدوا لمعان وفي كتاب الاتباع لابن أبي العز ردٌّ على أحد متعصبي الحنفية كان يعرض بأن مذهب الشافعي في الإيمان أقرب إلى مذهب الخوارج ويؤدي إلى تكفير الناس بخلاف مذهب أبي حنيفة في إخراج العمل من مسمى الإيمان. وقال الشيخ محمد بن عبد الوهاب كما في الدرر السنية عن خصومه (4/294): "بل هم الذين بدؤونا بالتكفير والقتال". أما بالنسبة لابن عابدين ففي حاشيته رد المحتار أثبت عن كبار فقهاء الحنفية أنهم يكفرون بأمور ثم هو قائل بها! منها مسألة هل الولي تطوى له الأرض أو مسألة هل كل معجزة لنبي تصلح كرامة لولي. فيقول في رد المحتار (3/553): "والحاصل أنه وقع الخلاف عندنا في مسألة طي المسافة البعيدة؛ فمشايخ العراق قالوا لا يكون ذلك إلا معجزة، فاعتقاده كرامة جهل أو كفر. ومشايخ خراسان وما وراء النهر أثبتوه كرامة، ولم يرد نص صريح في المسألة عن أئمتنا الثلاثة سوى قول محمد هذا، ولم يفسر ذلك". تأمل هذا الخلاف العجيب، قوم يكفرون بالأمر وقوم يجيزونه، فصار جزء من أهل المذهب مكفرين للجزء الآخر، وقد اعتمد ابن عابدين قول المجوزين. ولما قال الحصكفي: "تزوج بشهادة الله ورسوله لم يجز بل قيل يكفر" علق ابن عابدين بأنه يجوز أن يعتقد بأن رسول الله ﷺ يعلم الغيب ورد على متقدمي فقهاء الحنفية الذين كفروا من يتزوج بشهادة الله ورسوله لأن فيه إثباتا لعلم النبي بالغيب. فهذا كلام كبار فقهاء مذهبه يكفرون بأمور هو يعتقدها ولا يجرؤ على نعتهم بالخارجية، مع توسع أهل مذهبه بالتكفير بأمور لا يكفر بها غيرهم مع ما ذكر عنهم من الإرجاء وهذا عجب.