كشّاف أبي جعفر

من السؤال إلى موضع الجواب

تخطَّ إلى المحتوى
كشّاف أبي جعفر
المقالات مقالة

إنسانوية اللسان وسفسطة اللغة…

المصدر
إنسانوية اللسان وسفسطة اللغة… من أدق المصنفات اللغوية تلك التي تعنى بتتبع أخطاء العلماء اللغوية، مثل كتاب غلط الضعفاء من الفقهاء لابن بري المقدسي، وكتاب إصلاح غلط المحدثين للخطابي. ومنها ما يعنى بغلط العوام، مثل كتاب تقويم اللسان لابن الجوزي. وهناك مصنفات كثيرة أفردت في هذا الموضوع، وهناك أبحاث فرعية في كتب لغوية كبيرة تناقش هل هذه اللفظة فصيحة أم ليست كذلك. ولا شك أن المنبرين للكتابة في هذه الأمور يعتريهم الخطأ في بعض ما يخطئون به الفقهاء أو العامة، فتكون تلك الكلمة فصيحة هم توهموا وظنوها ليست كذلك. وهذا نظير ما يقع للفقيه من الحكم ببدعية بعض الأمور ثم يظهر أنها مشروعة، وما يقع لبعض المحدثين من الحكم بأن الخبر الفلاني لا أصل له أو لا يصح، ويظهر أن له أصلاً أو أنه صح. ومثل هذه الأوهام لا توجب اطراح كلام الفقهاء، أو كلام المحدثين، أو كلام اللغويين. وفي زمان ما بعد الاستعمار تفطن كثير من الكتاب لكثرة الأخطاء اللغوية بين العوام والخواص. لداعي فشو العامية، واختلاط اللسان العربي باللسان الأعجمي. فكان من ضمن تلك الكتب: أضواء على لغتنا السمحة لمحمد خليفة التونسي، وكتاب تصحيحات لغوية لعبد اللطيف أحمد، وكتاب من الأخطاء الشائعة في النحو والصرف واللغة لمحمد أبو الفتوح، وكتاب من أوهام المثقفين لأحمد بن عبد الدايم، وتقويم اللسانين للهلالي، وغيرها كثير. مقبول أن يكون جزء من كلامهم غلطاً، غير أن المستبعد أن يكون عامة ما انتقدوه غلطاً هو مقبول لغة، لكنهم تعنتوا! وقفت على كتاب بعنوان "معجم الصواب اللغوي" عني بالرد على عامة هؤلاء المؤلفين، والزعم أن عامة انتقاداتهم باطلة، وكان في غالب أحواله يستند إلى مجمع اللغة المصري، فكان مجموع ما تعقبه أكثر من 800 لفظة. وحين تأملت صنيع صاحب المعجم اللغوي وجدته يذكر حجة المخالف ولكنه لا يدفعها في كثير من الأحيان بما هو مقنع، فتجده يذكر أن مخالفه أنكر اللفظة لأنها لم توجد في المعاجم القديمة، فيرد عليه بأن هذا شاع في استخدامات العامة، أو يستدل بتاج العروس وهو معجم متأخر، أو يستدل بكتابات المحدثين. ولا شك أن له تعقبات عليهم معتبرة، ولست هنا بصدد المحاكمة في أمر ليس لي فيه كبير تمكن. غير أن اللافت للنظر تخطئة جماعة كبيرة من الكتاب في هذا الكم الهائل من الألفاظ، واعتماد مجمع اللغة العربية المصري على التسامح في غالب أحواله، فكأن له نهج خاص يختلف عن نهج أولئك الكتاب، وهنا الأمر يقتضي تحريراً في الأصول قبل النقاش في الفروع. حيرني الأمر حتى قررت أن أعود لمقدمة كتاب (معجم الصواب اللغوي) وأدقق فيها أكثر. فوجدته يقول ناعياً على من سبقه في التصنيف في هذا الباب: "تشدُّد بعض منها في قضية الخطأ والصواب، ورفضه لكثير مما يمكن تصحيحه بوجه من الوجوه، مما أربك الدارسين، وأوقعهم في متاهات «قل ولا تقل». وقديمًا قيل: «أنحى الناس من لا يخطئ أحدًا». ومن ذلك تخطئتهم كلمتي «مَتْحَف» و «مَعْرَض» مع ما وجده مجمع اللغة لهما من تخريج سديد. وتخطئتهم النسب إلى الجمع على لفظه، وفتح همزة «إن» بعد القول و «حيث» مع صحتها بشيء من التوسع". من نقله لعبارة (أنحى الناس من لا يخطيء أحداً) فهمت أن عنده مقدمة مسبقة، وهذه العبارة غريبة، فالتصانيف في تخطئة العوام والخواص تملأ المكتبات، ثم إذا كان لن يخطيء أحداً فلماذا تعلم النحو؟ ليبقى جاهلاً خيراً له، وينتظر أنه كلما لحن رقع بعض النحاة بدلاً من أن يتعب نفسه بالتعلم. ثم هو نفسه خطأ المخطئين فهو خالف قاعدة (لا يخطيء أحداً) في الحقيقة هذا سلوك فاشٍ في الأزمنة المتأخرة، إذا جاء إنسان وأنكر على الناس التوسع برواية الأحاديث المنكرة والموضوعة، وتشدد فأدخل الضعيف والمحتمل وما فيه اجتهاد، عاكسه آخرون فصاروا يريدون التسهيل في كل شيء، حتى يعود الناس لتداول الأخبار المنكرة والباطلة بحجة أن العلماء تسامحوا في فضائل الأعمال. ولا يدرون أن ذلك مشروط بكون الخبر ليس منكراً، أو موضوعاً، أو لا أصل له. وإذا جاء إنسان وأنكر أموراً محدثة ومنكرة وتوسع فأنكر أموراً ليست محل إنكار، عاكسه آخرون وصاروا يريدون الحكم بمشروعية كل المحدثات. وإذا جاء إنسان وحكم على المخالفين بتكفير أو تبديع متبعاً للسلف، ثم توسع حتى وقع منه الغلط في بعض الأحكام، عاكسه آخرون وأغلقوا الباب بالكلية، وصار السني كالبدعي من كل وجه، بل السني المتهم بالغلو مذموم بدون شروط وضوابط.والواقع بالكفر لا ينطبق عليه أي حكم لعدم توفر الشروط وانتفاء الموانع. حتى صار الذي يقع في الكفر والذي يقع في البدعة مرتاحاً، والذي ينكر عليه يشعر بالخوف والضغط لئلا يتهم بالغلو. ويبدو أن هذا الأمر استصطحب حتى في الأبحاث اللغوية. =