ونزاعهم في الجاسوس ليس (هل هو مرتد أو زنديق)، فالمرتد أو الزنديق لا يقال فيه "يق
ونزاعهم في الجاسوس ليس (هل هو مرتد أو زنديق)، فالمرتد أو الزنديق لا يقال فيه "يقتل تعزيرًا" أو "هو متروك للإمام" أو "إذا تكرر منه ذلك نقتله، دون الفعل مرة واحدة" كما هي نصوص المالكية، وإنما نزاعهم في الجاسوس في باب الاستتابة، هل يقاس على المرتد فيستتاب أم يقاس على الزنديق فيقال هو كان يخادعنا فما فائدة الاستتابة؟ فهم يتكلمون في هذه الجزئية فحسب، فظن بعض الناس أنهم يحكمون بردته أو زندقته، وهذا خطأ في الفهم.
والحقيقة أن الإشكال الأعظم في هذه المسألة لا علاقة له بالبحث الفقهي، وإنما بثقافة أهل العصر، سواء العوام أو الحداثيون أو حتى المنتسبون للسنة.
وشرح المسألة كما يلي:
الناس قبل عصر الاستعمار كانوا يرون المسائل المتعلقة بأسماء الله وصفاته أعظم مسائل الدين وهي محل التشديد، ولكن في زماننا هي مضرب المثل في الاجتهاد السائغ والتسامح مع المخالف العقدي. نعم، يوجد في الباب مسائل خفية، ولكن جنس هذه المسائل هو الأعظم.
فالخليقة كلها مخلوقة لإظهار آثار أسماء الله وصفاته، فالله أظهر كماله بكماله، ففي وجود الكفار ظهور آثار أسماءٍ مثل الحليم والتواب والعفو والصبور (وهذا الأخير ثابت في الاشتقاق فحسب).
وفي وجود أهل الإيمان ظهور آثار هذه الأسماء والوهاب والرحيم وغيرها.
وهناك مسائل حقوق الله المحضة، وهي العبادات التي تُصرف لله ولا يظهر فيها للناس مأخذ سياسي أو اقتصادي أو اجتماعي مباشر ظاهر، مثل الصلاة والحج والذبح والنذر -وإن كان يدخلها إعطاء الفقراء وغيره-، وأظهر من ذلك الأعمال القلبية مثل الإخلاص والرجاء والخوف والرغبة والرهبة.
وهذه بابها عظيم، ولكن الناس في زماننا وإن وعظوا فيها فغالب الناس يعذرون المخالفين فيها ويرونها محل خفاء في عامة مسائلها (وإن كان فيها مسائل خفية ولكن فيها مسائل جلية أيضًا).
وهناك مسائل حقوق الله التي فيها مدخل لحقوق الناس، كأمر المعاملات والحكم والعدل والولاء والبراء وغيرها، وهذه عند الناس اليوم أعظم المسائل وأبعدها عن العذر، وفيها تُعمَل لغة التكفير أكثر من غيرها.
بل كثير من الناس يرى من المسلَّمات أنك إن شدَّدت في باب الأسماء والصفات مثلًا فعليك أن تُشدِّد في هذه الأبواب ضرورةً لأنها أعظم شيء وهي الغاية، وأنك إن سهَّلت في هذه الأبواب فعليك أن تُسهِّل في غيرها ضرورةً لأنها أعظم الأبواب.
ولو تأمَّلت في أحوال السلف لوجدتها لا تسير على هذا القياس، فكلام السلف في الجهمية أعظم من كلامهم في الخوارج والمرجئة وأئمة الجور، حتى كان أحمد يغضب من مقارنة الجهمية بالحجاج. وهذا عليّ ما استحل قتال الخوارج إلا لما قاتلوا، وهو الذي كفَّر منكري الزكاة وقتل المرتد. وهذا ابن عمر قال في القدرية قولًا عظيمًا ورُوي عنه الصلاة خلف بعض فرق الخوارج لمَّا تمكنوا من ديار يسكنها.
واعتبار الباب الذي فيه مدخل لحقوق البشر أعظمَ الأبواب مما يتفق عليه الحركي والعالماني وحتى الملحد! لماذا؟
لأن حقُّ الإنسان هو الأعظم عند جميعهم مع الأسف، فحق الله إنما يعظم بحسب اتصاله بحق البشر. وكثير منهم يظن أن الأصل في الرسالات إصلاح دنيا الناس فقط بحسب نظرهم للمصلحة والمفسدة الحاضرة، وأما حقوق الله فمحل إشكال كبير، بل لا يرون حقوق الله إلا من خلال حقوق البشر.
وهذا لا يكون، فكيف يكون الله غفورًا رحيمًا عفوًّا وهو لا حقوق له إلا ما كان من حقوق البشر! فهو سبحانه عندهم حامي حقوق البشر فحسب، ومعلوم أن حقوق البشر العفو فيها متوقف على البشر أنفسهم.
هذا هو سبب أن قتل الجاسوس مقبولٌ في عقول كثيرين أكثر من قتل المرتد، بل يُبرَّر قتل المرتد بقياسه على الخيانة العظمى (والتي منها الجاسوسية)!
وذلك أن حد الردة متعلق بحقوق الله المحضة وأما الجاسوسية فمتعلقة بحقوق البشر لذا هي معقولة عندهم، هذا هو أعمقُ آثار تأليهِ الإنسانِ والثقافةِ الغالبةِ وأدقُّ عقده التي دخلت على كثير من نقاد الحداثة فضلًا عن غيرهم.
وهذا الحكم في الجاسوس المسلم دليلٌ على أن الأمراء ليسوا مسيطرين على الفقهاء، لأن الأمراء يعظِّمون أمر الجاسوس لأنه من حق أنفسهم ويرغبون في الغالب بقتله، وقد يتقاعسون في أمر المرتد وغيرها من المنكرات.
من أعظم براهين ربانية هذا الدين أنه جعل حق الله أعظم من حق غيره، وكل فلسفات البشر تدور على أحوال رغبوية وطوباويات. وسبحان الله، البشر لا يحقِّقون مصالحهم كما ينبغي إلا من طريق تعظيم حق الله، وهذا من العجائب ولكنه كذلك!