التداخل بين البحث العقدي والبحث الفقهي (جولة جديدة مع المذهبية بصورتها المتأخرة)
التداخل بين البحث العقدي والبحث الفقهي (جولة جديدة مع المذهبية بصورتها المتأخرة)
كنت قد تكلمت آنفا عن الترويج للمذهبية عن طريق فكرة (تكافؤ الأدلة) ودعوى أن المذهبية تعني أنه لا إنكار في مسائل الخلاف.
واليوم سأتكلم عن إشكال أكبر، وهو ادعاء انفصال البحث الفقهي عن البحث العقدي بالكلية، وهذه دعوى فاشية بين المتأخرين، وتعتبر شبه مسلمة بين عامة المعاصرين.
ويبنون عليها دعوى تلقي المذاهب المشهورة المتبوعة بالقبول، بخلاف أمر العقيدة فلا يوجد سوى فرقة ناجية واحدة. وكنت قد نبهت على أن القائلين بتكافؤ الأدلة من المتشرعين يحصرونه في الفقهيات.
ولكن هل عامة مسائل الفقه لا مدخل فيها للعقيدة؟
من تعمق في العقيدة وتعمق في الفقه وجد أن هناك تداخلا، ودعني أضرب لك مثالا بعدة مسائل موجودة في مذهب أهل الرأي (الحنفية) والذين يدور حولهم الجدل، وكان الخلاف عظيما بين متقدميهم ومتقدمي أهل الحديث.
المسألة الأولى: انعقاد اليمين بالحلف بالقرآن.
من أدلة أهل السنة على أن القرآن كلام الله غير مخلوق الأثر المروي عن ابن مسعود (من حلف بالقرآن فعليه بكل آية يمين) استدل به المروذي في رسالته التي رواها الخلال لأحد الواقفة، وقد أقره أحمد على هذا الاستدلال، وتابعه المصنفون في العقيدة على هذا الاستدلال (وهو يبين عدم ثبوت تجويز الحلف بالنبي عن أحمد وقد شرحته في مقال مستقل)
ووجه الدلالة أن اليمين لا ينعقد بمخلوق، وقد ذهب الشافعية والمالكية لهذا أيضا.
غير أن الحنفية وقع بينهم نزاع في المسألة، وعدد منهم علل عدم انعقاد اليمين بالقرآن بتعليلات مبنية على عقيدة القول بخلق القرآن الذي بين أيدينا، وذلك لانتشار مقالة الماتردية فيهم.
جاء في درر الحكام لملا خسرو (2/40): "كذا في الفتح (قوله: فما تعارف الناس الحلف به من صفاته تعالى يكون يمينا) أي سواء كان من صفات الفعل أو الذات وهو قول مشايخ ما وراء النهر وهو الأصح؛ لأن الأيمان مبنية على العرف وكل مؤمن يعتقد تعظيم الله تعالى وتعظيم صفاته.
وقال مشايخ العراق صفات الذات مطلقا يمين كعزة الله لا صفات الفعل كالرضى، والغضب؛ لأن صفات الذات كذكر الذات وصفات الفعل ليس كذكر الذات، والحلف بالله تعالى مشروع دون غيره، كما في البرهان".
قولهم (صفات الفعل) ليست من الذات هو الأصل الذي بنى عليه الجهمية قولهم بخلق القرآن، وكانوا يقولون لأحمد (هل القرآن هو الله هو أو غير الله) ولم يعقلوا إلا شيئا منفصلا عن الله من كل وجه أو مساويا لله من كل وجه، ولم يعقلوا أن يكون صفة لله عز وجل قائما بذاته سبحانه ويكون اختياريا لهذا جعلوا الفعل هو المفعول وقالوا ما ثمة إلا ذات وصفة ذات وأما الأفعال فأنكروها.
يوضح المسألة أكثر وأكثر قول ابن أبي العز شارح الطحاوية في كتابه التنبيه على مشكلات الهداية (4/86): "ينبغي أن يكون الحلف بالقرآن يمينا لأنه قد صار متعارفا في هذا الزمان، كما هو مذهب الأئمة الثلاثة وغيرهم، ولا يلتفت إلى من علل كونه ليس يمينا بأنه غير الله على طريقة المعتزلة وقولهم بخلقه فإن ذلك لازمه الكفر على ما عرف أن القرآن كلام الله منزل غير مخلوق".
فهنا ينبه على أن الصحيح أن اليمين ينعقد بالقرآن، وأن من أصحابهم من علل بتعليلات المعتزلة (وهذا غير مستبعد فمذهب الماتردية ومذهب المعتزلة في القرآن متقارب)
وقال عبد الوهاب البغدادي المالكي في الإشراف على نكت مسائل الخلاف: "[1746] مسألة: إذا حلف بالمصحف ثم حنث فعليه الكفارة، خلافا لأصحاب أبي حنيفة والشافعي، أما أصحاب أبي حنيفة فبنوه على أصله، في القول على أصلهم، بخلق القرآن من قال ذلك منهم".
وهناك من قرر أن اليمين ينعقد بالقرآن، ولكنه مع ذلك قرر عقيدة الجهمية في القرآن، وأرجع انعقاد اليمين إلى مسايرة العوام.
قال ابن الهمام في فتح القدير: "ثم لا يخفى أن الحلف بالقرآن الآن متعارف فيكون يمينا كما هو قول الأئمة الثلاثة وتعليل عدم كونه يمينا بأنه غيره تعالى؛ لأنه مخلوق لأنه حروف، وغير المخلوق هو الكلام النفسي منع بأن القرآن كلام الله منزل غير مخلوق ولا يخفى أن المنزل في الحقيقة ليس إلا الحروف المنقضية المنعدمة وما ثبت قدمه استحال عدمه غير أنهم أوجبوا ذلك لأن العوام إذا قيل لهم: إن القرآن مخلوق تعدوا إلى الكلام مطلقا".
وهذا الموجود في متون الحنفية المتأخرين خطير جدا على الناشيء الذي ما درس العقيدة ولا حققها أن يتمذهب بهذا الكلام، فإنه من خلاله تدخل عليه عقائد الجهمية الذين اتفق السلف على ذمهم بأشد الذم.
=