كشّاف أبي جعفر

من السؤال إلى موضع الجواب

تخطَّ إلى المحتوى
كشّاف أبي جعفر
المقالات مقالة

بين {وما النصر إلا من عند الله} و«إلا أن يتغمدني الله برحمته»...

المصدر
بين {وما النصر إلا من عند الله} و«إلا أن يتغمدني الله برحمته»... قال تعالى: {لا يكلف الله نفسًا إلا وسعها لها ما كسبت وعليها ما اكتسبت ربنا لا تؤاخذنا إن نسينا أو أخطأنا ربنا ولا تحمل علينا إصرًا كما حملته على الذين من قبلنا ربنا ولا تحملنا ما لا طاقة لنا به واعف عنا واغفر لنا وارحمنا أنت مولانا فانصرنا على القوم الكافرين} [البقرة]. تأمل الضراعة في آخر الآية، طلب العفو والمغفرة والرحمة والنصر على الكفار. إن رجعت إلى السنة ستجد أن النبي ﷺ ينسب هذه الأمور إلى الله وحده. فيقول: «لن يدخل أحدا عمله الجنة» قالوا: ولا أنت يا رسول الله؟ قال: «لا، ولا أنا، إلا أن يتغمدني الله بفضل ورحمة، فسددوا وقاربوا، ولا يتمنين أحدكم الموت: إما محسنا فلعله أن يزداد خيرا، وإما مسيئا فلعله أن يستعتب». ويقول إذا قفل من غزو أو حج أو عمرة، بعد أن يكبر على كل شرف من الأرض، ثلاث تكبيرات. ثم يقول: «لا إله إلا الله وحده، لا شريك له. له الملك، وله الحمد، وهو على كل شيء قدير. آيبون، تائبون، عابدون، ساجدون. لربنا حامدون. صدق الله وعده، ونصر عبده، وهزم الأحزاب وحده». وهذا تحقيقٌ لاعتقاد الدعاء، إذ أنه نسب الأمر في المقامين لله -عز وجل- وحده. فعفوه ومغفرته ورحمته تتجلى في مضاعفته الحسنات وتكفيره السيئات وجعله الحسنات كفارات وجعله مواسم للخير -سبحانه- والهداية للتوبة ومكفرات الذنوب. ونصره -سبحانه- بالتأييد على الأعداء بقذف الرعب في قلوبهم، ووعد المؤمنين بالشهادة والنصر مما يرفع المعنويات، وإنزاله الملائكة وتقويته قلوب المؤمنين وإنزاله السكينة عليهم. قد ورد في القرآن والسنة الأمر بأعمال إن عملناها غُفر لنا، كقوله ﷺ: «من صام رمضان إيمانا واحتسابا غفر له ما تقدم من ذنبه». وورد الأمر بالإعداد للكفار. فكيف يجتمع هذا مع «إلا أن يتغمدني الله برحمته» و«وهزم الأحزاب وحده» وكان يقولها في كل غزوة؟ فيقال: المؤمن يعلم أن له عملاً وأن عمله مؤثر؛ ولكنه يشاهد فضل الله -عز وجل- أعظمَ من مشاهدته لعمله، حتى يعلم أن رأس المال هو فضل الله والعمل نفسه من فضل الله، ثم يزيد ربُّ العالمين من منِّه وكرمه ما لا يدركه العمل، ألا ترى أن الحسنة بعشر أمثالها؟ هذا المعنى عليك أن تشاهده في مواسم الخير، فمواسم الخير هي مواسم مشاهدة فضل الله -عز وجل- فهو الذي جعل هذا الموسم مباركاً، والعمل فيه حسناته مضاعفة أضعافاً كثيرة، وإن كان الجهد واحداً في هذا الزمان وغيره.