كشّاف أبي جعفر

من السؤال إلى موضع الجواب

تخطَّ إلى المحتوى
كشّاف أبي جعفر
المقالات مقالة

دعاة المذهبية وثوبي الزور..

المصدر
دعاة المذهبية وثوبي الزور.. بعد مقطع علي جمعة الأخير في أمر ختان الإناث والذي ذهب فيه إلى المنع، ومعه رأيت كثيرين يأتون بكلامه القديم ويضربونه بكلامه الجديد. غير أن الأمر عندي أعمق من ذلك. مشهور عند علي جمعة وتلاميذه وأنصاره كثرة ذم المخالفين لهم بأنهم لا مذهبيين ويظهرون أنفسهم على أنهم حماة المذهبية في هذه الدنيا، غير أن من أسوأ صور اللامذهبية خرق الإجماع وممارسة الانتقاء بين المذاهب الفقهية وإخضاع المذاهب الفقهية للمزاج الحداثي؛ وهذا كله يمارسه علي جمعة في هذه المسألة وفي غيرها فقد قال ابن حزم وابن القطان فيما كتباه في الإجماع: ((وَاتَّفَقُوا على إباحة الْخِتَان للنِّسَاء))ولم يتعقب ابن تيمية هذا. والأمر نفسه يقال في إباحة بناء الكنائس في البلدان التي مصرها المسلمون، والقول أن النقاب مباح فقط ليس مستحباً أو واجباً وإباحة تهنئة الكفار بأعيادهم وإباحة المعازف. وأما الانتقاء من أقوال الفقهاء بحيث لا نعرف ما هو مذهبك تحديداً فهو كصنيع علي جمعة حين يبيح بيع الخمور على الكفار ويقول هذا مذهب الحنفية وإذا سألوه في الطلاق لجأ إلى ابن تيمية واختياراته! أما إن اللامذهبي الصريح أحسن حالاً من هذا المتشبع بما لم يعط، فيزعم أنه حامي حمى المذهبية في الدنيا وهو يخالف المذاهب. والخروج عن المذاهب الأربعة ليس درجة واحدة فإن خرج الإنسان عنها وقال بقول فقيه من الفقهاء القدامى وكان معه أدلة دون تتبع رخص أو خضوع لمزاج حداثي فهذا باب مفهوم مقيد بضوابطه. والخروج عنها مع مخالفة إجماع المسلمين وهذا في الغالب يكون تتبعاً للرخص أو خضوع للمزاج الحداثي هذا باب آخر، كإنكار حد الرجم. وكثير من دعاة المذهبية يخلطون بين البابين ويحاولون تصوير مخالفيهم بصورة موحدة مع ما يظهر من كثير من المنتسبين للمؤسسات العلمية التي يزعمون أنها تحمي المذهبية من مناقضة أصولهم. واليوم عندنا ظاهرة وهي ظاهرة (الفقيه الحداثي ) أو (الفقيه الحركي ) وهو الذي يكتب في آخر اسمه (الشافعي ) أو (الحنبلي ) أو (المالكي ) أو (الحنفي ) ويتذمر من اللامذهبية . ثم هو يخجل من كثير من تراثه الفقهي خصوصاً فيما يتعلق بالأحكام على المخالفين فتجد الحنبلي يضيق ذرعاً بحكم الحنابلة على الأشاعرة والمعتزلة ولو كان هذا ظاهر كلام الإمام. وتجد كثيراً من الشافعية لا يقبلون كلام أئمتهم في الرافضة وكثير منهم يرسمون صورة رومانسية لحقيقة الخلاف مع أهل الرأي مع أنك لو رجعت إلى كتب أهل الرأي لوجدتهم يختلفون في تكفير من يقول (أنا مؤمن إن شاء الله) ويتفقون على تضليله. وقد رأيت بعض المساكين يقول أنه لا علاقة لعقائد الفقهاء فيما يكتبونه في باب الردة وهذا غير صحيح فحين تجد في روضة الطالبين أن من أثبت الاتصال أو الانفصال لله فقد كفر، هل هذا اعتقاد الشافعي ؟ أم هذه عقيدة متأخري الأشعرية المتجهمة وكلام السلف متواتر في أنه سبحانه فوق عرشه بائن من خلقه. والخلاصة أن العلاقة بين المذاهب خصوصاً في صورتها المتأخرة ليست كما يصور بعض (الرومانسيين) وطريقة هؤلاء الرومانسيين ينبني عليها من الشر أكثر مما يظنون دفعه فإن نهاية مذهبهم رمي جماهير الناس من أهل الحديث والرأي والكلام بالغلو. والواحد من هؤلاء لو درس الفلسفات الغربية وأسسها وكيف أنها تنتهي إلى أصول سوفسطائية لكان أفضل له من ذلك العمر الذي يقضيه بين كتب علوم الآلة والمنطق والحواشي المتأخرة ثم يخضع لأي ضغط حداثي ويفتح باباً سيزداد عتواً في الأجيال القادمة وينتهي إلى نتائج كارثية لهذا لا تستغرب إذا رأيت في أحفاد هؤلاء من هو إنسانوي أو من هي نسوية ولا تظنوهم براء تماماً فهم قيدهم الشرع عن الجموح الذي ظهر فيمن بعدهم ولكنهم هم من بدأ بمسلسل التنازلات. الأمة الإسلامية أمة عظيمة بالوحي والحفاظ عليه والصلابة في الذب عنه وإدخال المتكلمين والفلاسفة في عظمائها والذب عنهم كما يذب عن الوحي والمساواة بينهم وبين أهل الحديث من كل وجه هذا في حقيقته استهانة بالوحي ومنزلته في تقييم البشر فمن سلم للوحي لا يكون كمن عارضه بقياس فاسد أو رأي باطل أو هوى أو شطح صوفي. بل من عوامل عظمتها هذه الصلابة في الحق وأما أصحاب الرومانسيات فهم كمن يرقم على الماء أو يتاجر بالهواء ، أماني وخيالات ومكابرات لقضايا علمية مدللة مطاردة لسراب لا يتحقق مع تضييع للدين وفتح باب عظيم للطاعنين وأنت تظن بذلك أنك تذب عن الملة ولكنك تحمل وأهلها بلايا أناس انتسبوا لها ظاهرياً وانتفعوا بعلوم أهلها وبالوحي ولكنهم ما اكتفوا بذلك حتى جاءوا ببلايا من ثقافات أخرى واعتقدوها وقاتلوا عليها ولا أنفي وجود دعاة مذهبية صادقين ولكن الحال الغالب على ما وصفت لك.