كشّاف أبي جعفر

من السؤال إلى موضع الجواب

تخطَّ إلى المحتوى
كشّاف أبي جعفر
المقالات مقالة

هل يليق به أن يكون حكماً في اختلافات الأمم الأخرى ولا يكون حكماً في خلاف أمته؟

المصدر
هل يليق به أن يكون حكماً في اختلافات الأمم الأخرى ولا يكون حكماً في خلاف أمته؟ قال تعالى: {وما أنزلنا عليك الكتاب إلا لتبين لهم الذي اختلفوا فيه وهدى ورحمة لقوم يؤمنون} مما تستبطنه كثير من دعوات التقريب اعتقاد خفاء الحق، ولهذا لا ينبغي أن تبني أحكاماً قاسية على هذا الخلاف، فالمخالف إنما خالف لأنه لم يظهر له الحق لا لكونه معانداً أو مقصراً في طلب الحق أو معرضاً. فالخلاف بين السني والشيعي والإباضي والزيدي والمعتزلي والأشعري كل ذلك خلاف هين من جنس خلافيات الفقهاء (وليست كل خلافيات الفقهاء هينة أصالة). فيقال لمن هذا نظره ما تقول في الآية المكتوبة أعلاه والتي تفيد أن النبي صلى الله عليه وسلم يبين للناس ما اختلفوا فيه وهو هدى ورحمة للمؤمنين! فإن قلت: الآية المخاطب بها الكفار من اهل الكتاب وغيرهم. قلنا لك: رب العالمين قال {هدى ورحمة للمؤمنين}، ثم هل يليق به أن يوضح خلافيات أهل الملل الأخرى ولا يوضح الحق فيما يقع بين أهل ملته! وقد قال تعالى: {فإن تنازعتم في شيء فردوه إلى الله والرسول}، فإما تكون الأمة كلها أعرضت عن الرد فهنا لا تكون مرحومة، وإما تكون ردت فمنهم من خالف ومنهم من وافق، وهنا لا يصلح أن يستوي من وافق الوحي ومن خالفه. فإن قيل: الآية في الخلافيات العظيمة ونحن نرى أن هذه خلافيات بسيطة. فيقال: خلافيات من ذكرنا هي خلافيات عظيمة من جنس خلافيات أهل الأديان، بدليل أن الأطراف المتنازعة تبادلوا التكفير والتفسيق، وهي في نفسها عظيمة وفيها نصوص، وكلامكم مجرد تحكم ثم تزعمون أن كل من كفر أو بدع كان ضالاً بعيداً عن النصوص، فبدلاً من أن تقولوا الطائفة الفلانية ضلت لنفيها الصفات مثلاً صرتم تقولون الطائفة الفلانية ضلت لحكمها على المخالف ولم يحكموا لهم بالاجتهاد السائغ هنا، ثم منعتمونا أن نحكم عليهم بالحكم نفسه، وقد خالفوا النصوص حقاً، فهربتم من شيء ووقعتم في نظيره، خصوصاً إن زعمتم أنكم استفدتم حكمكم من الرجوع للكتاب والسنة ثم ها أنتم اهتديتم وقد ضلت عموم الأمة عن فهم ما فهتموه، فهذا نظير فعل العالمانيين والليبراليين الذين يفسرون الكتاب بأهوائهم ويزعمون أنهم اهتدوا لما ضلت عنه الأمة.