كشّاف أبي جعفر

من السؤال إلى موضع الجواب

تخطَّ إلى المحتوى
كشّاف أبي جعفر
المقالات مقالة

عمرو بن العاص رضي الله عنه يحاسب نفسه وهكذا ينبغي أن نفعل

المصدر
عمرو بن العاص رضي الله عنه يحاسب نفسه وهكذا ينبغي أن نفعل قال ابن أبي شيبة [35579]: حدثنا أبو أسامة، عن زائدة، عن عبد الملك بن عمير، عن ربعي، عن أبي موسى، قال: قال عمرو بن العاص: والله لئن كان أبو بكر، وعمر تركا هذا المال وهو يحل لهما شيء منه، لقد غبنا ونقص رأيهما، وايم الله ما كانا بمغبونين، ولا ناقصي الرأي، ولئن كانا امرأين يحرم عليهما من هذا المال الذي أصبنا بعدهما لقد هلكنا، وايم الله ما الوهم إلا من قبلنا. هذا أثر ثابت عن عمرو بن العاص رضي الله عنه وهو من أعجب آثاره سأشرح المتن ثم أعلق عليه خلاصة المتن أن عمرا يجري مقارنة بينه وبين أبي بكر وعمر من الناحية المادية فيرى أنه أحسن حالا منهما وعادة الناس أنهم يفرحون بذلك ولكن عمرا فكر بطريقة مختلفة عما اعتاده أهل الدنيا فالرجلان اللذان هو أفضل منهما ماديا خير منه دينيا وبالتالي طرح على نفسه هذا التساؤل هل المال الذي أصبته زيادة على أبي بكر وعمر مع كونهما كانا قادرين على إصابته مال مباح؟ فإن كان مباحا فتركهما له خسارة وقد استبعد أن يخسرا خسارة لا معنى لها مع عقلهما الوافر وإن كان ليس مباحا أو فيه نقص على الدين فنحن الذين وقعنا في الخطأ ثم رجح هذا اتهاما لنفسه واحسانا للظن بالشيخين كلام عمرو رضي الله عنه عليه مسحة صدق عجيبة وهذا القدر من الصدق هو الذي يعين الإنسان على أن يحسّن أحواله لأنه يراجع نفسه دون أدنى خوف من أن يكون مخطئا وغيره أحسن منه الشيعي الإمامي يريد أن يقنع نفسه أن رجلين من رؤوس المهاجرين أبطلا جهادهما مع رسول الله صلى الله عليه وسلم وتركا الوصية على علي من أجل حكم ما استفادا منه مالا باتفاق الناس ولا حتى جاها عظيما فأحوالهم كانت عجيبة في التواضع وبعيدا عن كل هذا لماذا اتقى الشيخان المال الذي عامة الصحابة ما بلغوا زهدهما فيه ؟ لا شك أن أخذه ليس إثما وما كان الصحابة ليأخذوا ما فيه إثم ولكن لماذا يتركون المباح هل تركه أفضل ؟ الشيخان كانا يريدان غلق باب الْيَوْم نفتحه على أنفسنا بكثرة فالنفس لا تشبع من المال وإن تعودت أن تأخذ الكفاية فحسب مع زيادة يسيرة تحسّباً لنوائب الدهر فلا بأس ولكن البلاء الشديد أن تطلع لها العنان كما يحصل مع كثير من الناس كلما توسعت مدخولاته توسعت مصروفاته ولو بكماليات وتحسينات ويبقى دائما مشغول الفؤاد مع كونه لا يحسّن الادخار تذاكرت قبل مدة مع إخوان لي فضلاء حالة عجيبة وهي أبناء الأثرياء بل وأبناء الأسر الحاكمة الذين يُقبض عليهم في قضايا فساد وسرقة واختلاس ما الذي يحملهم على هذا مع كفايتهم خصوصا وأنهم لما اكتُشفوا باءوا بخزي عظيم بعد عز ورفعة فقال أحد إخواننا : هؤلاء لا يقنعون؛ لضعف دينهم ولأنهم لا يقارنون أنفسهم بمن دونهم بل هُم يقارنون أنفسهم بمن في محيطهم ويتكاثرون معهم ولذا يشعر أحدهم بشعور الفقير المعدم إذا رأى آخر أكثر ثراء منه من أسرة أخرى أو من نفس الأسرة وهذا معنى «الفقر فقر القلب» فيحمله ذلك على استمراء السرقة والاختلاس وهذه المكاثرة التي خَشي منها الشيخان وابتعدا عنها أشد البعد فالبعد عنها مراتب هما اختارا الأعلى منها وبقية الصحابة من طبقة عمرو اختاروا الوسطى وهذا أمر عجيب يتطلب منك تدبرا فإنك إن لم تلاحظه صار المال نقمة ومفتاحا لتدابر الإخوان وأبناء العم كما هو مشاهد في كثير من الناس اذا لم ترسخ مفاهيم القناعة وحمد الله على النعمة بمشاهدة من هو دونك دون من هو فوقك وثمة نكتة أخرى: وهي أن الناس يحسدون من بيده سلطة إلا الطيبين منهم فإذا اجتمع له المال والسلطة اشتعلت القلوب عليه وصاروا يعدون سيئته بعشرة إلا أن يكثر عليهم من العطاء ويغدق عليهم إغداقا عظيما وهذا قد يفتح من أبواب الترف ما يفسد ولهذا كان الشيخان من أبعد الناس عن إظهار مظاهر فخامة السلطنة وعن أخذ المال حتى المباح فكان اجتماع الناس عليهما عظيما خلا أمر الردة الذي كان تمرداً قضى عليه اجتماع الناس على الصديق وإن كان من الناس من يرى أنه في أوقات معينة ينبغي إظهار الحزم الشديد وقوة السلطان وهذا أيضا كان حال الشيخين فحروب الردة وأحوال عمر معروفة غير أن الناس بين إفراط وتفريط فكل واحد يأخذ جزءا من سيرتهما ولو أخذوها تامة لسعدوا.