فثمة شحارير كثر
فثمة شحارير كثر
لم أرغب حقيقة في التعليق على موت محمد شحرور لأنني عندما سمعت كلامه وقرأت كتبه علمت أن الجاذبية في فكره هو لا علاقة له بها ، وإنما جاء لأناس تشبعوا بأهواء معينة فبرر لهم هذه الأهواء بقراءاته فاقتنعوا بها لأنهم يريدون الاقتناع لا أن كلامه في نفسه قوي
المسألة باختصار خداع للنفس وهي جلية جداً في هذا الشخص وأتباعه ، وخذ دليلاً على ذلك حيث تجدهم يمارسون السفسطة حتى في تأبينه وذلك أن الفكر سوفسطائي في نفسه
فتجدهم يثنون عليه بأنه لم يحبس عقله في زنزانة الفقهاء وثار على الموروث وقدم تفسيراً عصرياً للإسلام
من الآن صار كلام شحرور من الموروث أيضاً وبعد خمسين سنة قد نمدح المرء لأنه لم يحبس عقله في زنزانة التنويريين الإسلاميين ويتأثر بثورتهم على الفقهاء وأنصف الفقهاء ربما !
ربما بعد ذهاب الرأسمالية واليمقراطية سنحتاج إلى تفسير جديد للإسلام ليس متأثراً بمفكري زمن الرأسمالية وستصير الكثير من النصوص التي ردها مفكري زمن الرأسمالية من محاسن الشريعة في زمان آخر تغلب فيه ثقافة أخرى ، وسيصير اتباعهم من علامات الجمود والرجعية
ثناؤهم هذا مبني على فلسفة الحداثة التي انطلق منها شحرور في كثير من تفاسيره أن البشر عقولهم تتطور زماناً بعد زمان لهذا المتأخر لا ينبغي أن يلتزم بما رآه المتقدم حقاً إذ لا يوجد حق موضوعي وإنما الأمر عائد إلى نظرتنا وهي تتطور وتتأثر بالمحيطات ، وبالتالي عموم كلام شحرور ليس حقاً مطلقاً بل قد يصير بعد مائة عام الباطل بعينه عند أتباع المدرسة نفسها ، وهؤلاء هم أنفسهم المفخذون لما بعد الحداثة في قولهم ( هل أنت تملك الحقيقة ) والواقع أن الحقيقة هي التي تتلمك كل منصف تبلغه فلا يملك إلا أن يجهر بها ، فوصف مخالفي شحرور بالجمود والجهل والتخلف كلها أوصاف نسبية تختلف من شخص إلى آخر وقد يظهر لنا لاحقاً أنهم على حق هذا وفق فلسفته وفلسفة أتباعه ولا يخفى ما في هذا الفكر من سفسطة إذ أنه مبني على حقيقة مبدأية بصفتها حقيقة ثابتة ثم بنى على هذه الحقيقة الثابتة نسبية الحقيقة وبالتالي هذا قول متناقض ذاتياً ، وإن قالوا أنهم لا يقولون به ويقولون بوجود حقيقة موضوعية فاتباع الفقهاء فيما رأينا أنه حق وحقيقة موضوعية ليس جموداً بل اتباع للحق ومجرد مخالفته ليست مدحاً فمدح المخالفة لذاتها لا تبنى إلا على النسبانية وإلا كانت مصادرة على المطلوب ومدح التفسير العصري للدين مبني على قيم الحداثة وما بعد الحداثة المبنية على النسبانية وحقيقة أمرهم ( قراءة سوفسطائية أهوائية للإسلام )
وهنا أستذكر أثر الحسن البصري لما مات الحجاج : اتقوا الله؛ فإن عند الله حجاجين كثيرة.
الإشكالية الكبرى لا تتعلق بشخص شحرور ولا بتراثه وإنما تتعلق بالإتباع والتسليم للوحي ومحاكمة كل شيء إلى الوحي لا العكس ، لا أننا نقول بمنظومة لكونها غالبة أو لكوننا نشأنا عليها أو لكوننا نرى أنها تحقق لنا مصالح فئوية ثم نريد أن نحمل شرع الله عليها ، نعم كان شحرور نافراً من أي حكم شرعي يخالف الثقافة الغربية في أشد صورها جموحاً ولكن هناك ( شحارير كثر ) يمارسون الشحررة في أحكام شرعية تخالف أذواقهم أو توجهاتهم الحركية ، وبعض الناس صار يستدل بآثار للسلف في هذا الباب علماً أن من وردت فيهم الآثار أصالة من الجهمية لا يعاملون بها فأسقطت الآثار عما وردت فيه أصالة ثم نزلت على شحرور وهذه بحد ذاتها حالة شحرورية حين كان يأتي للنصوص الواردة في ذم الزنا ويحملها على الاغتصاب مثلاً فهذه ممارسة سنوات وأنا أراها تكون الآثار واردة في بدعة معينة ولا تنزل على القائلين بهذه البدعة من المتأخرين ثم تؤخذ هذه الآثار وتنزل على العالمانيين ومنكري السنة ولا شك أنها تنزل عليه من باب أولى ولكن سبب الورود أولي الدخول.