عبرة وموعظة جعلوها مفاخرة!
عبرة وموعظة جعلوها مفاخرة!
حين يكون لك أسلاف كفار وكان عندهم من مظاهر القوة الشيء العظيم فأهلكهم الله عز وجل وبقوا محض آثار فتلك عبرة وآية وليست باباً للمفاخرة والاستعراض.
قال تعالى: {أَلَمْ يَرَوْا كَمْ أَهْلَكْنا مِنْ قَبْلِهِمْ مِنْ قَرْنٍ مَكَّنَّاهُمْ فِي الْأَرْضِ مَا لَمْ نُمَكِّنْ لَكُمْ وَأَرْسَلْنَا السَّماءَ عَلَيْهِمْ مِدْراراً وَجَعَلْنَا الْأَنْهارَ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهِمْ فَأَهْلَكْناهُمْ بِذُنُوبِهِمْ وَأَنْشَأْنا مِنْ بَعْدِهِمْ قَرْناً آخَرِين}[الأنعام]
وقال تعالى: {وَلَقَدْ مَكَّنَّاهُمْ فِيما إِنْ مَكَّنَّاكُمْ فِيهِ وَجَعَلْنا لَهُمْ سَمْعاً وَأَبْصاراً وَأَفْئِدَةً فَما أَغْنى عَنْهُمْ سَمْعُهُمْ وَلا أَبْصارُهُمْ وَلا أَفْئِدَتُهُمْ مِنْ شَيْءٍ إِذْ كانُوا يَجْحَدُونَ بِآياتِ اللَّهِ وَحاقَ بِهِمْ ما كانُوا بِهِ يَسْتَهْزِؤُنَ}[الأحقاف].
روى مسلم في صحيحه 29 - (934) من حديث أبي مالك الأشعري، حدثه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (أربع في أمتي من أمر الجاهلية، لا يتركونهن: الفخر في الأحساب، والطعن في الأنساب، والاستسقاء بالنجوم، والنياحة).
والفخر في الأحساب هو ما كان يظهره العرب من افتخارهم بمآثار آبائهم والتي في الغالب تكون مآثر صحيحة ولكن لما كانت تدخل على القلب تعظيم إصابة الدنيا ولو ضاع الدين نهي عن ذلك شرعاً.
وروى أحمد في مسنده 8736 عن أبي هريرة، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (إن الله عز وجل قد أذهب عنكم عبية الجاهلية، وفخرها بالآباء، مؤمن تقي، وفاجر شقي، والناس بنو آدم، وآدم من تراب، لينتهين أقوام فخرهم برجال، أو ليكونن أهون عند الله من عدتهم من الجعلان التي تدفع بأنفها النتن).
وهذا الخبر اختلف فيه الناس بين محسن ومضعف ولكنه تعضده معاني الشريعة العامة المذكورة في النصوص أعلاه.
ظاهر، أنني أكتب هذا بسبب ما طفح في الأيام الأخيرة من افتخار كثير من المصريين بأمر الفراعنة والذي لا يعرفه كثيرون منهم أن المرجح أن غالب أهل مصر لا يجمعهم بالفراعنة دين ولا نسب وهنا ينقطع الافتخار وأما كونهم حكموا البلاد فقد حكمها كثيرون.
قال أمية بن عبد العزيز بن أبي الصلت، أبو الصَّلْت الأندلسيّ الدّانيّ، [المتوفى: 528 هـ] في كتابه الذي صنفه عن رحلته إلى مصر:
«وأما سكان أرض مصر فأخلاط من الناس مختلفة الأصناف: من قبط وروم وعرب وبربر وأكراد وديلم وحبشان وأرمن، وغير ذلك من الأصناف والأجناس على حسب اختلافاتهم، وقالوا: إن السبب في اختلافهم، والموجب لاختلاطهم، اختلاط المالكين لها، والمتغلبين عليها، من العمالقة واليونانيين والروم والعرب وغيرهم».
وهذا هو الحال قبل أكثر من 900 سنة فما بالك اليوم؟
وهناك كتاب مشهور بين المشتغلين بالمصريات بعنوان (الأصول السومرية للحضارة المصرية) كتبه مستشرق ألماني مهتم بالمصريات رجح فيه أن أصول الفراعنة ترجع للسومريين أو للمشرق عموماً، وقد اتهمه كثيرون بالتعصب للعرق الآري لهذا كانت أطروحته على هذا النسق.
غير أن من ينظر في دارسي الحضارات يجد غالب الدراسات منحازة قبلياً ونتائجها متضاربة بشكل لافت للنظر مع قلة المعلومات وكثرة تشوشها فهناك الكثير من البرديات التي لم يطلع عليها وكثير منها أتلف وكثير منها اختلف الناس في قراءته واعجب من التشكيك المستمر بالسنة وقبول بعض النظريات التاريخية المبنية على معلومات منقوصة على أنها مسلمات!
وعلى نسق هذه الدراسة، أخرى تتكلم عن الأصول المصرية للفلسفة اليونانية.
ونسبة بعض حكام مصر إلى المشرق وإلى بلاد فارس تحديداً مروي عن بعض السلف.
قال ابن أبي حاتم في تفسيره 8787 -
حدثنا أبي، ثنا إبراهيم بن سعيد الجوهري، ثنا أبو أسامة، ثنا شبل، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد قال: كان فرعون فارسيا من أهل اصطخر.
وهو يعني أنه من المشرق عموماً وقد نسبه الحسن البصري للمشرق أيضاً ولكنه جعله من همذان ( مدينة فارسية ) وأما ابن لهيعة فقال أنه كان من أبناء مصر.
والخلاصة أن الافتخار بمثل هذا مرفوض شرعاً فإنه في أحسن أحواله يكون كفخر العرب بالأحساب مع عدم تيقن أو تحقق نسبة هؤلاء الملوك المفتخر بهم لهذه الأرض باعتبار الأصل ولا نسبة هؤلاء المفتخرين لهم.
وأما حديث بعض الناس عن السياحة وأن هذا يدعم السياحة فعقائد الناس أولى من المال وإلا هؤلاء الإمامية يستفيدون من أضرحة المعبدوين عندهم مالاً وفيراً ونحن نعتقد أن الحلال الطيب فيه الكفاية بل حقيقة مشاهد السرف في الإنفاق على مثل هذه الأمور مع عدم تيقن أن يأتي الأمر بعائدات فأي سياحة تتحدث عنها والعالم كله الحركة مقيدة بسبب الوباء؟ فالسمعة الجيدة للأماكن الصحية أحسن ألف مرة لما تسمونه سياحة، من المفاخرة بجثث الطواغيت.