الإصلاحي والجرَّاح والأخطاء القاتلة!
الإصلاحي والجرَّاح والأخطاء القاتلة!
لو أن جراحاً أجرى جراحة لمريض ليزيل من جسمه سبب الألم ولكنه أخطأ فقتله أو عطل عضوا آخر كان الجسم ينتفع به فيكون نفع وضر في آن واحد وفِي حالة القتل يكون رام نفعا فضر
هذا الخطأ في العادة يرجع إلى عدم الدقة أو كونه ما راعى حالة المريض وضعف استعداده للعملية أو تكون العملية بحد ذاتها خطيرة جدا ونسب نجاحها ضعيفة لأسباب عدة متعلقة بطبيعة المرض وطبيعة المريض وكل شيء بقدر ولكننا نتكلم عن الأسباب المباشرة
هذه الحال من الجراح تشبه الْيَوْم حال كثير من الإصلاحيين في زماننا فالناس تفشو فيهم الحدية وكثير من المصلحين يحارب مظهرا سلبيا ولا ينتبه لكونه يوطد آخر ربما هو أسوأ وينبغي أن يرصد ويصحح ويوازن
فاليوم تأتي للمرء فتطلب منه ألا يطالب الناس جميعا أن يكونوا أحمد ابن حَنْبَل فيصير يرضى منهم أن يكونوا مثل ابن أبي دؤاد والمريسي وكأنه لا يوجد وسط
وتطلب منه ألا يجازف في نقل المقالات عن المخالفين دون تحقق فيصير يشغل عمره بتآليفهم أكثر من نظره في كتب علماء مذهبه بل ويصير لا يقبل كلام المحققين الكبار من أهل مذهبه حتى يذهب ويتحقق بنفسه ملزما نفسه بذلك في كل شيء وهو لا زال شاديا في العلوم
وتطلب منه أن يتسامح مع الأخبار الضعيفة غير المنكرة في الأذكار والأدعية فتتفاجأ انه صار ينشر الموضوعات والقصص التي لا أصل لها
وتطلب منه ألا ينشر البواطيل فتتفاجأ بعد مدة أنه صار يستنكر أحاديث مشهورة في كتب العلماء ما استنكرها أحد وربما تجاوز إلى أحاديث الصحيحين
وتطلب منه أن يعرف للعلماء قدرهم فتجده يصير يقدس أفرادهم ويجعل كلام الواحد منهم حجة بذاته في مواطن نزاع مشهورة بين الناس
وتطلب منه ألا يقدس العلماء فتتفاجأ أنه صار يزري عليهم جدا لأدنى غلط بل يأتي إلى مواطن الاجماع في كلامهم ويعامله على أنه كلام فرد منهم
وتطلب منه ألا يوالي ويعادي على دقائق المسائل فتجده صار يتسمح حتى في الواضحات والمسائل الكبار
وتطلب منه أن يكون قويا في ذات الله فيصير يعادي حتى القريب في الأمر الاجتهادي
وتطلب منه أن يراعي العوام ولا يجعلهم كالخواص من كل وجه فتتفاجأ أنه ترك حتى دعوتهم وأنزلتهم منزلة الأنعام التي لا تخاطب بشيء أو تجده يدعو ولكن لا يحكم على معين بشيء ولو كان من الخواص
وتطلب منه أن يترك فكرة الفردوس الأرضي فيصير شبه عدمي وكأن النعيم الدنيوي إن لم يكن على المقاييس الغربية فلا راحة ولا نعيم لا بإيمان ولا تقوى ولا غيره !
وهكذا في أمثلة كثيرة لذا الخطاب الإصلاحي الْيَوْم لا يكفيه فيه الكلمات العابرة المختصرة بل لا بد من الايضاح التام ومشاهدة الأمر من كل زاوية
وتأمل تعامل كثير من أهل العصر مع كلام ابن تيمية في الأصول والفروع والذي خلاصته أن المتكلمين يضعون قاعدة تكون المسألة الفلانية فيها دائما أصل في كل فرد وفِي كل مكان فيها تثريب والمسألة الفلانية فرع لا تثريب فيه في كل زمان ومكان وبين الشيخ أن هذا غلط وأن هناك قرائن حتى في بعض الفروع تجعل فيها تثريبا وقرائن في مسائل أصول ( عندهم ) تجعلها لا تثريب فيها على بعض الأفراد فخلاصة كلام الشيخ أن هذه القواعد ليست مطلقة ولا يسلم بإطلاقها فجاء بعض الناس واستفادوا من كلامه هذا قاعدة مطلقة في عذر الناس في عموم المسائل عالمهم وجاهلهم !! هذا بالجهل وذاك بالتأويل ( الذي هو جهل أيضا ولكن مركب ) فلب كلام الشيخ مبني على عدم التسوية ومراعاة القرائن فاستدلوا به على قاعدة فيها تسوية وعدم مراعاة للقرائن بحدية عجيبة
وهكذا يتعامل الناس مع كلام خصومهم ومعظميهم على حد سواء إلا من رزقه الله الانصاف فيكون العسف والتقويل ما لم يقل حاضرا هذا مع كوّن كلام هؤلاء يكون كثيرا ومنشورا فكيف بطريقة بعض الاصلاحيين الذين يحاولون تقديم رؤاهم الاصلاحية من خلال كلمات يسيرة أو من خلال مناكفة ومعارضة فئة معينة من أطراف الصراع
وتأمل حال التقريبيين من السنة والشيعة تجد كل واحد منهم يتخذ خطة لتقريب قومه إلى الفريق الآخر عن طريق مهاجمة ثوابت عندهم فما زادوا على أن صار السني منهم طريقا لتشيع بعض أهل السنة والشيعي منهم طريقا لتسنن بعض الشيعة وبقي حال الناس على ما هُم عليه ولكن كانوا فرقتين سنة وشيعة فصاروا أربعة سنة وشيعة وتقريبيين سنة وتقريبيين شيعة والتقريبيون بنوا أطروحتهم على ذم مطلق التفرق فتنبه فصاروا كالجراح الذي يجري جراحة لعلاج علة فتورث جراحته في الجسم علة أكبر وكثير من المشاريع الاصلاحية هكذا والله المستعان
والخلاص بالاتباع ومشاهدة كل أنواع الانحرافات والبعد عن المناكفة لفئة معينة من الناس والبعد عن إرجاف التصنيفات فكل فريق اذا نبهته على أغلاطه ينسبك إلى النقيض كما الرافضي يتهمك بالنصب مثلا وهذا ليس خاصا بالروافض بل يفعله كثير من الناس والخوف من هذا الارجاف جعل كثيرا من الناس لا يصرحون بِمَا يرونه صواباً.