كشّاف أبي جعفر

من السؤال إلى موضع الجواب

تخطَّ إلى المحتوى
كشّاف أبي جعفر
المقالات مقالة

عذرًا لا يسع إلا هذا...

المصدر
عذرًا لا يسع إلا هذا... لسان حال عدد من الناصحين: (اسكت عن نقد الباطل حتى لا ينقد الناس الحق). عدد من الناصحين يكرهون نقد الأخطاء المشهورة في زمن الحرب على الثوابت بحجة أن ذلك قد يتطرق الناسُ من خلاله إلى نقد الحق وأنه قد يخلط بين المقامات. سأضرب مثالًا لتقريب الأمر: مجتمع معين تفشو فيه مجموعة من الأحاديث المنسوبة للنبي الكريم صلى الله عليه وسلم منها هو ما هو صحيح قطعًا ومنها ما هو متردد ومنها ما هو ضعيف وما هو باطل موضوع لا أصل له، ولكن عوام الناس يعاملونها كلها معاملة واحدة بحكم اشتهارها كلها بينهم. جاءت موجة تشكيكية على الحديث كله واستهدفت الأحاديث الصحيحة، ومرادهم بذلك الطعن بالدين أو إلغاء كل ما يخالف الهوى الغربي منه. فقامت جماعة فاضلة بالدفاع عن الأحاديث وأبلت في ذلك بلاءً حسنًا، غير أن هناك عيبًا في هذا الدفاع وهو أنهم ما فرَّقوا بين درجات الأحاديث المدافع عنها. فلما جاءهم إنسان وقال لهم الأحاديث الصحيحة هي رأس الهرم، ودافع معهم عنها ولكنه أنكر الأحاديث المنكرة والباطلة، وبيَّن الفرق بين إنكاره لها وإنكار من ينكرها لأنها تخالف الهوى الغربي أو ليتذرع من خلالها لتشكيك الناس في الأخبار الصحيحة. فقام جماعة من هؤلاء الفضلاء وقالوا له: ليتك سكتَّ عن بيان الأحاديث الباطلة والمنكرة عندك، فهي أيضًا مشهورة، لئلا يظن الناس في الصحاح أنها كذلك. فكان جوابه: سبحان الله، الأحاديث الصحيحة صارت صحيحة وفقًا لقواعد وبراهين، وليس لكونها مشهورة في الأزمنة المتأخرة. فكم من حديث صحيح لا يعرفه عامة الناس. وكيف نسكت عن المنكر والباطل ونظن بذلك أننا ندافع عن الصحيح؟ نحن بهذا نسلم بقاعدة استواء هذه الأخبار، وليست مستوية. بل صنيعكم هو الذي سيجرِّئ أهل الباطل، لأنهم سيجدون في كتب المتقدمين إنكار هذه الأحاديث وسيشيعون ذلك بين العامة ويظهرونكم بمظهر الخادع، فلا يثق العامة بعد ذلك حتى بدفاعكم عن الأخبار الصحيحة، أو تردون على سلفكم بردود ضعيفة فتأخذون دورهم في الرد على أئمة الصنعة بأقيسة فاسدة. هذا المثال يلخِّص حالنا في موضوع إمام أهل الرأي. حتى إن أحد المشاكسين أخذ تضعيف أحد شيوخ الحديث المعاصرين لإمام أهل الرأي ونشره بين العوام وقال لهم: هذا يطعن في الأئمة مثل إسلام البحيري!! وهو يعلم جيدًا أن الأئمة الذين يطعن فيهم إسلام البحيري الليل مع النهار هم الذين ضعَّفوا إمام أهل الرأي، وشيخ الحديث هذا مجرد ناقل وتابع لأئمته. ثم يقال: أنت إذا كنت تضعِّف بالحق، فإن تصحيحك سيكون له قيمة. وكذلك إذا كنت لا تهاب التكفير والتبديع بالحق، فردُّك على من يغلو في التكفير والتبديع سيكون له قيمة. وإذا كنت لا تجامل في الحق، فثناؤك سيكون له قيمة. ولهذا إجماع العلماء له قيمته لأنهم يختلفون إن وجدوا للاختلاف مساقًا. أما المتأثر بالقيم الحديثة ولا يحكم على أحد بشيء فهذا ثناؤه أو تعديله أو رده على الغلاة قيمته ضعيفة، لأن هذا سلوكه مع كل الناس مع اختلافهم، فواضح أنه لا يسير على منهجية دقيقة فيها فرز. والعجيب أن عادة هؤلاء أنهم يصفون مخالفيهم بأنهم (يكفرون كل من خالفهم) ظنًّا منهم أن مخالفيهم مثلهم يبنون أحكامهم على انفعال نفسي دون أي انضباط علمي يحكم الأمر. وأما الحديث عن الورع، فالورع في اتباع الأئمة. فقديمًا لمَّا كان الأئمة يتكلمون في الجرح والتعديل فيقولون هذا كذاب وهذا ضعيف وهذا منكر الحديث، كان يأتيهم أصحاب الورع البارد ويقولون لهم: تورَّعوا عن ذلك، وهذه غيبة. والواقع أن الأئمة أورع منهم، فإنهم ما فعلوا ذلك إلا حفاظًا على الدين من أن يدخل فيه ما ليس منه. وكذلك هناك ورع المفوضة الذين تورَّعوا عن إثبات ما أثبت الله لنفسه. وهم في حقيقة أمرهم رموا القرآن والسنة بتضليل الخلق بظواهر لا يجوز اعتقادها. وكذلك ورع بعض المتأخرين عن اعتقاد ما رُوِي عن السلف في ذنوب بعض الأنبياء بحجة أنهم ينزِّهون الأنبياء عن ذلك. وكان المحققون يردُّون عليهم بأن السلف أعرف بما يليق في الأنبياء وما لا يليق. ثم إن الطبيب لا يمكنه أن يقول عن المرض القاتل إنه غير قاتل مراعاة لمشاعر أهل المريض أو أصدقائه. بل في كثير من الأحيان مثل هذه التنبيهات يكون لها فائدة في إنقاذ الناس من هذا الخطر. وأما الخائفون من تكرار تجربة الكنيسة بزعمهم، فيقال لهم: بالله عليكم اخرجوا من سجن التجربة الغربية. نحن شيء آخر. والقوم ما نالوا خيرًا في تجاربهم، بل انتهوا إلى شيء يناقض الفطرة من كل وجه. واعلموا أن ما تدل الأدلة على أنه صواب أو على الأقل فيه شبهة قوية فهذا مآله إلى خير. وتذكَّروا أننا نؤمن بالآخرة وأنها الحيوان.