من المقالات العجيبة التي اطلعت عليها وتمنيت أن أعرف كاتبها مقال في مجلة الرسالة
من المقالات العجيبة التي اطلعت عليها وتمنيت أن أعرف كاتبها مقال في مجلة الرسالة لكاتب دمشقي كتبه تأييداً لبعض الكتاب المصريين لما بدأت عندهم موجة السفور والاختلاط حيث يقول : هال بعث المصلحين منذ سنتين ما رأوا من فشو التبرج والاختلاط في دمشق البلد العربي المسلم، فقاموا يدافعون عن الفضيلة المغلوبة ويريدّون الرذيلة الغالبة، وأنقاد إليهم الناس، لأن الكثرة الكاثرة من أهل دمشق لا تزال متمسكة بدينها، ولا تزال نساؤها بالحجاب الساتر، ومشت الأمور في طريقها، وكادت تصل إلى غايتها، ودعاة الفجور ينظرون ويتحرقون. . . لولا أن رفعت الغيرة على الأخلاق الإسلامية والسلائق العربية بعض العامة إلى الدخول على النساء في السينما وإخراجهن منها وترويعهنّ، وإلى التجوال في البلد ونصح كلُّ متبرّجة ووعظها وزجرها. . . وقد أنكر العلماء وعقلاء البلد ذلك عليهم فكفوا عنه وأقلعوا، ولكن دعاة الفجور لم يرضهم أن تنتصر دمشق للفضيلة وأن تهدم عليهم عملهم على رفع الحجاب وإباحة الاختلاط، فاستغلوا عمل هؤلاء العوام وأعلنوا إنكاره وكبّروه وبالغوا في روايته، وذهبوا يقيمون الدنيا ويُبرقون البرقيات ويُرعدون بالخطب، وما أهون الإبراق والإرعاد، وما أسهل إثارة الشبان الفاسقين على الستر والحجاب، باسم (الحرية الشخصية) التي تمتع عيونهم بما وراء الحجاب من جمال، وتُنيلهم ما بعد حدود الفضيلة من لذائذ. .!
أيخرجون النساء من السينما؟ أيعرضون بالنصح للمتبرجات الكاشفات؟ يا للَحدث الأكبر، يا للَعدوان على الحرية الشخصية التي ضمنها الدستور! أليست المرأة حرة ولو خرجت عارية؟ أليس الناس أحراراً ولو فسقوا وفجروا؟ أليس كلُّ امرئ حراً ولو نقب مكانه في السفينة فأدخل إليها الماء فأغرقها وأهلها؟!
كذلك فهم الحرية هؤلاء الجاهلون. . . أو كذلك أراد لهم هواهم، وشاءت لهم رغباتهم الجنسية وميولهم النفسية أن يفهموها، ودفعوا الصحفيين فلبثوا أياماً طوالاً لا كلامهم لهم إلا في الدفاع عن (الحرية. . .)، وهاجوا بعض النواب، فجرب كلُّ واحد منهم أن يتعلم الخطابة في تقديسها، ثم عمدوا إلى فئة من خطباء المساجد حاموا عن الفضيلة، فساقوهم إلى المحاكم سوق المجرمين، وأدخلوهم السجون، وجرعوهم كؤوس المهانة، حتى صار من يذكر السفور بسوء، أو يدعو إلى الفضيلة والستر كمن يدعو إلى الخيانة العظمى، وصار النساء إذا رأين شيخاً في الطريق شتَمْنَه وسخرن منه، وتوارى أنصار الفضيلة من وجه هذه العاصفة الفاجرة الهوجاء، وهم جمهرة أهل الشام وعلماؤهم وأفاضلهم وعقلاؤهم، وحسب أولئك أن الظفر قد تم لهم، وأن أهل الدين قد انكسروا كسرة لا تجبر، فكشفوا القناع وانطلقوا يسرحون وحدهم في الساحة ويمرحون. . . وكانت النتيجة أن تحطم السدّ فطغى سيل الرذيلة وعم، وامتد في هاتين السنتين أضعاف ما أيام حكم الفرنسيين الذين هم أفسق الناس، وهذه حقيقة نثبتها بأسف وخجل. . . وكانت النتيجة أن ازدادت جرائم التعدي على العفاف واستفحلت حتى رأت المحاكم من يعتدي على عفاف بنته وأخته، ومن يفجر بطفل رضيع، وما يصنع هذا الوحش الذي أثارت (الحرية الشخصية) غرائزه فلم يجد إلا البنت والأخت أو الطفل الرضيع؟ وكانت النتيجة أن دمشق التي تستر بالملاءة البنت من سنتها العاشرة شهدت يوم الجلاء، بنات في السادسة عشرة وما فوقها يمشين في العرض بادية أفخاذهن، ترتج نهودهن في صدورهن، تكاد تأكلهن النظرات الفاسقة"
إلى أن قال :" إنه لا بد في كلُّ مناظرة من مبادئ يتفق عليها الطرفان ليعودا إليها، وما المنطق إلا رد الفروع إلى هذه الأصول، فإذا كان المتناظران مختلفين في كلُّ شئ، يرى هذا أن العفاف نافع فيقول الآخر بل هو ضار، ويدعي هذا أن اتباع الدين واجب فينكر الآخر هذه الدعوى، ويرى هذا العمل على منع الفجور، ويرى ذاك العمل على نشره. . . فلا يمكن أن يكون بينهما كلام!
فلنتفق أولاً على الأصول:
هل العفاف وقصر الاتصال الجنسي على المشروع منه خير أم شر؟
هل قيام المرأة على تربية أولادها بنفسها وإخلاصها لزوجها وبيتها خير أم شر؟
هل مراقبة الله وخوفه وتمسك كلُّ امرئ بفضائل دينه خير أم شر؟
هذه ثلاث مسائل أطلب الجواب عليها.
وأنه ليكون غرورا ًمني وازدراء للخصوم والقراء، إذا افترضت أنهم يرون هذه الأمور شراً، وحاولت إقامة البراهين على أنها خير وأتبعت نفسي والقراء في إثبات هذا الأمر الذي أظنه ثابتاً عند العقلاء جميعاً" والمقال طويل وبعضه مبكي