كشّاف أبي جعفر

من السؤال إلى موضع الجواب

تخطَّ إلى المحتوى
كشّاف أبي جعفر
المقالات مقالة

لا يتكلم صاحب باطل إلا وينقض على نفسه

المصدر
لا يتكلم صاحب باطل إلا وينقض على نفسه كان ابن تيمية يلتزم التزامًا عجيبًا بأنه لا يأتيه صاحب باطل بحجة إلا ويظهر منها بطلان قوله، والشيخ بذكائه العجيب المؤيَّد بالتوفيق الإلهي كان قادرًا على ذلك. وهذا أمر يمكن للمرء أن يكتسبه من التدبر في القرآن، إذ تُحكى حجج أهل الباطل وتُعرض، وتتعجب أحيانًا من أنه لا يأتي رد عليها، والحق أنها متضمنة للرد على نفسها، ومَن فهِم القرآن إجمالًا سيفهم هذا. تدبَّر معي هذه الآية: {فَقَالَ الْمَلَأُ الَّذِينَ كَفَرُوا مِن قَوْمِهِ مَا هَٰذَا إِلَّا بَشَرٌ مِّثْلُكُمْ يُرِيدُ أَن يَتَفَضَّلَ عَلَيْكُمْ وَلَوْ شَاءَ اللهُ لَأَنزَلَ مَلَائِكَةً مَّا سَمِعْنَا بِهَٰذَا فِي آبَائِنَا الْأَوَّلِينَ}. لم يتكلم قوم نوح هنا بحجة إلا وهي نقضٌ عليهم. فقولهم (مَا هَٰذَا إِلَّا بَشَرٌ مِّثْلُكُمْ) وما كان ود وسواع ويغوث ويعوق ونسر إلا رجالًا صالحين! فلو كان نوح رجلًا صالحًا ومات لعبدوه واستغاثوا به في الملمَّات، ولكن في حياته حين يدعوهم لأن يوحدوا الله يستكبرون ويقولون أنت بشر مثلنا ويجعلون ذلك علة للرد! ويشبه هذا حال العديد من المنتسبين للإسلام في الأزمنة المتأخرة، تجدهم يعبدون الأولياء ويعظِّمونهم، والولي من هؤلاء لو كان حيًّا وخالف مذهبهم الفقهي أو الكلامي اتباعًا للسنة لقاموا عليه وشنَّعوا أشد التشنيع، ولتحججوا عليه بانقطاع الاجتهاد، فالولاية التي يعظم بها المرء حتى يُنادى باسمه كما ينادى باسم الله في الملمَّات ما انقطعت والاجتهاد انقطع! ولماذا لا يكون الاجتهاد كرامة من كرامات الأولياء! وقولهم (وَلَوْ شَاءَ اللهُ لَأَنزَلَ مَلَائِكَةً) وهل ود وسواع ويغوث ملائكة؟ وهل أنزل الله ملائكة عليكم بجواز عبادة الأوثان؟ هذا يشبه حال أصحاب الحداثة في زماننا، يقولون "الفقه اجتهاد بشري لذا هو غير مقدَّس"، ثم هم يقدِّسون منتوجات ما يسمى بـ "الحضارة الغربية" مع أنها نتاج بشري أيضًا لذا لا ينبغي أن تكون مقدَّسة. ومرة كلمني جهمي بلفظ "المسيس" وأنكره بحجة عدم وروده، فقلت سبحان الله، وهل وَرَد أنه منزَّه عن الوجه واليد كما تقولون؟ وهل وَرَد أنه لا داخل العالم ولا خارجه؟ أيهما أولى بالإنكار: لفظ غير وارد ولكنه لا يُناقِض الوارد أم لفظ مبني على اتهام ظواهر النصوص بالتشبيه؟ علمًا أن هذا اللفظ وَرَد عن جمع من السلف. ومرة قال لي أحدهم: ما الدليل على الدولة الدينية؟ فتعجبت من سؤاله وكأنَّ عنده دليلًا على الدولة المدنية! وإذا كانت الدولة الدينية تعني عنده الدولة التي تعمل وفقًا للكتاب والسنة، فسؤاله كأنه يقول: ما الدليل من الكتاب والسنة على وجوب الالتزام بالكتاب والسنة؟! ولكن القوم عندنا أصحاب مغالطات باردة مع فهمهم السطحي لواقع الدولة في الإسلام، ويشركهم بذلك الكثير من المتحمسين للدولة الإسلامية للأسف. وخلاصة حجج القوم أنهم يُلزمونك بما لا يُلزمون به أنفسهم! وقولهم: (مَا سَمِعْنَا بِهَٰذَا فِي آبَائِنَا الْأَوَّلِينَ) مغالطة، لأن شركهم حادث، وقبله ما كان الناس يعرفون الشرك، بدليل أن معبوديهم أناس عاشوا في زمن معين وماتوا، وقبلها لا يوجد شرك، فيطالِبون بإسناد قريب وإسنادهم البعيد منقطع. وهذا يشبه حال أصحاب الطرق وأتباع الطرق الكلامية في زماننا، تجدهم يفخرون بأسانيدهم القريبة، وربما تفاخروا بأسانيد كتب مضامينها تُخالف عقيدتهم، وينتسبون لبعض الناس الذي عُرفَت ولادتهم ووفاتهم واختلاقهم لمقالات جديدة، فأسانيدهم العقائدية منقطعة ولا تتصل بالنبي صلى الله عليه وسلم وأصحابه، ثم هم يفاخرون بأسانيد قريبة لمشايخ عاشوا قريبًا، ويجعلون موافقة هؤلاء الهدى ومخالفتهم الضلال، ولو طالبتهم بأن يأتوا بأسانيد لمضامين مقالاتهم عن السلف الكرام لانقطعوا، وكانوا لا يأتون بشيء يتوهمونه معهم إلا ويجدون له نظائر بالعشرات تنقض عليهم. فتجده إن ذكرت له (اتباع الدليل) يقول لك: (ما سمعنا بهذا)، فإذا كلمك في المولد وقلت له: (هل سمعت بذلك في الصحابة والتابعين؟)، يقول لك: لا ولكن ليس من شرط صواب الشيء أن يكون فيهم! مع أن داعي هذا الشيء قام وما فعلوه، فيَحتجُّ بالإسناد القريب وبأناس لا برهان على هدايتهم، ويَترُك المجتمع على هدايتهم من الآباء أو الأئمة  الأقدم، فهو ينقض على نفسه في باب الاحتجاج، فإذا جاز له هو أو شيوخه مخالفة الأقدم أو الزيادة عليه، فيجوز لغيره من باب أولى مخالفة شيوخه اتباعًا للحق وللأئمة الأقدم.