في رحاب وصية أم المؤمنين لأبنائها
في رحاب وصية أم المؤمنين لأبنائها
قال ابن أبي شيبة في المصنف 6760- حدثنا وكيع ، عن السائب ، عن ابن أبي مليكة ؛ أن قوماً من قريش كانوا يسمرون ، فترسل إليهم عائشة : انقلبوا إلى أهليكم ، فإن لهم فيكم نصيباً.
هذا خبر صحيح، معناه أن رجالاً من قريش كانوا يجلسون بعد العشاء مع أصحابهم فتُرسل إليهم أم المؤمنين تأمرهم أن يرجعوا إلى زوجاتهم وأولادهم ولا يقضوا الليل كله مع أصحابهم فإن لأهلهم فيهم حقاً
وهذا تأمرهم به أم المؤمنين لِما جعل الله لها من مقام في الأمة فهي أم لكل المؤمنين ووصيتها مسموعة وكذا ينبغي أن تقتدي بها كل أم في أن تأمر ابنها بما يصلح ما بينه وبين زوجه إن كانت على استقامة وصلاح بالجملة ولا يخلو أحد من نوع عرج ، وهذه الوصية وإن وجَّهتها أم المؤمنين لرجالٍ في عصرها فهي شاملة لكل أبنائها على مر الزمان لِذا حفظها لنا أهل الحديث في مصنفاتهم
وما أحوجنا لهذه الوصية اليوم فما أكثر الشكاية من غياب رب الأسرة ( الأب ) عن أسرته سواءً في إغراقٍ في العمل لا يحتاجه أو في نقاهةٍ وترفيهٍ مع أصحابه ، ولا أحد يمنع من أصل ذلك ولكن الإشكال في أن يطغى ذلك على دور الأب في الأسرة وتجد كثيراً منهم يفهم أن علاقته مع أولاده في أن يوفر لهم المال فحسب، وكذا العلاقة مع الزوجة مع حق الفراش، وليس الأمر كذلك.
فقد قال الله تعالى : ( قوا أنفسكم وأهليكم ناراً ) فسَّرها السلف بِعلِّموهم وأدبوهم ، وفي هذا بيان غلط الوهم المنتشر بأن التربية دور الأم فقط والأب يوفر المال فحسب ، الأب له دور تأديبي ودور مواساتي ودور تحفيزي وغير ذلك من الأدوار، حصرُه بأنه يجلب المال فتَح أبواباً للانحرافات السلوكية والعقائدية مع استقامة الآباء بالجملة (نعم هذا ليس حتمياً وقد ينحرف الابن مع صلاح الأب وحرصه عليه ولكن هذا لا يعني أن الإهمال لا دور له في الضياع)
توفير المال مهم ولكن هناك أمور أهم وأوقع من مجرد توفير المال
صدقني أن مزاح الزوج مع زوجته أو مزاح الزوجة مع زوجها يشرح صدور الأبناء بما لا يتخيله كثير من الآباء ويصغِّر هموماً كانت مستعظمةً في قلوبهم
صلاتك مع زوجتك ولو ركعتين خفيفتين يزرع في قلوب الأبناء من المعاني الإيمانية ما نحتاج إلى وعظ كثير لنزرعه، وكان عمر مع رجاحة عقله واجتماع أعيان المهاجرين والأنصار حوله لا يخلو مجلسه من الشباب يبتغي حدة عقولهم فسماعك من أبنائك وسماعهم منك فيه خير كثير ووقاية من شر عظيم فهم يخبرونك بأحوال أبناء الجيل وتنتفع بحدة عقولهم وأنت تعطيهم من خبرتك وذلك يفيدك أنت قبل أَن يفيدهم في تنشئة صغار أبنائك
الفضائل حين تُتلقى من الآباء فتلك آكد الفضائل ثبوتاً ، وإنَّ من المؤسف حقاً أن كثيراً من أبناء الجيل السابق نشّأ أولاده على فضائل معينة ثم ما ثبت عليها تحت ضغط منظومة الأهداف المعلمنة والتفكير الرأسمالي الذي سيْطر عليهم فتراه _ على سبيل المثال _ صار يسمح لبناته بما كان يعد ما هو أهون منه عاراً أو عيباً ، وهذا الضرب أفسدَ جيلَين؛ الجيل الذي نشّأه على الفضيلة ثم هو نقض غزله مِن بعد قوة أنكاثاً دون أي بيِّنات واضحة تدعو للتراجع ، والجيل الذي أدرك هذا التغير وكثير منهم وقع في انحرافات لأنه ما رُبي على الفضيلة، وحقاً كان السلوك السابق القديم حامياً من شر عظيم ولكنه الحور بعد الكور والطمع وقلة الصبر ومنظومة الأهداف المعلمنة حيث تجد المسلم المصلي أهدافه في الدنيا لا تختلف عن أهداف الملحد المادي وصلاة المسلم وصيامه وحجه وأذكاره كل ذلك سلوكيات منعزلة عن التأثير على منظومة أهدافه بل بالعكس صار الدين محكوماً بالأهداف الدنيوية وإلا نظر له على أنه عبء لا الدنيا تحكم بالدين وإلا نظر لها على أنها فتنة !
قال البخاري في الأدب المفرد 286- حدثنا عمر بن حفص، قال: حدثنا أبي، قال: حدثنا الأعمش قال: حدثني ثابت بن عبيد قال: ما رأيت أحدا أجل إذا جلس مع القوم، ولا أفكه في بيته، من زيد بن ثابت.
زيد بن ثابت الذي رشحه الشيخان لجمع المصحف أحد كبار علماء الصحابة والمقتدى به في علم الفرائض (المواريث) إلى يومنا هذا كان عكس حال كثير من رجالنا اليوم فالرجل اليوم إذا جلس مع أهله كان هيوباً جليلاً وإذا جلس مع أصحابه ظهرت فكاهته ، وأما زيد فكان عكس هذا فيُظهر هيبته للناس فهو عالمهم ومفتيهم والفكاهة لأهله زوجته وأبنائه أقرب الناس إليه، وكان من أثر ذلك أن ابنه خارجة بن زيد بن ثابت كان أحد فقهاء المدينة السبعة.