كشّاف أبي جعفر

من السؤال إلى موضع الجواب

تخطَّ إلى المحتوى
كشّاف أبي جعفر
المقالات مقالة

بين صكوك الغفران واستغاثات القبورية..

المصدر
بين صكوك الغفران واستغاثات القبورية.. رأيت مرة لقاءً لمنصِّر سابق أسلم، وحديثه كان عن مرحلةٍ كان فيها شماسًا. وأنه سأل الرجل الذي يعترف عنده (يعني يأخذ منه صك الغفران): أنت إذا أذنبت أين تعترف؟ فقال له: عند فلان (رتبة كنسية) أعلى. فرد صاحبنا الذي أسلم وسأله عن الرتبة الأعلى أين يذهب يعترف، حتى وصل إلى أعلى رتبة في الكنيسة فاحتار المسؤول بماذا يجيبه. هذا الحوار سيعجب عامة المنتسبين للملة ولكن لا يفطنون إلى تقاطع طقس الاعتراف وصكوك الغفران مع استغاثات القبورية. فأنت لو سألت أحدهم: الجيلاني والرفاعي حين كانوا أحياء بمن كانوا يستغيثون، وهم ليسوا خيرًا من الأنبياء الذين قال فيهم رب العالمين: {إنهم كانوا يسارعون في الخيرات ويدعوننا رغبا ورهبا وكانوا لنا خاشعين}؟ وقد قلت مرة لبعض الأخوة مازحًا وأنا أذكر لهم استغاثات الإمام أحمد لما كان يُجلَد: عامة الأقطاب والأغواث لم يكونوا ولدوا لهذا استغاث الإمام بالله! بعضهم يجيب بأن هؤلاء أولياء لهذا يسألون الله عز وجل ونحن مقصِّرون فنسألهم وهم يسألون الله. وهذا يصلح أن يجيب به النصراني في صك الغفران فيقول إن صاحب الرتبة الأعلى بالكنيسة يصلح أن يسأل الله مباشرة ونحن لا يصلح لنا هذا. وجواب الفريقين أن الغريق لا يغيث الغريق، والله أرحم بك من كل مخلوق، وقد أمرك أن تدعوه على كل حال. فإن تفذلك وقال: ألست أطلب الدعاء من غيري؟ فيُقال له: هذا كقول النصراني في صك الغفران ألست أطلب من غيري الاستغفار. وكل عاقل يعرف الفرقَ بين (استغفر لي الله) و (اغفر لي) ففي الثانية يسأل المخلوق كما يسأل الخالق لهذا لا يذكر الله البتة في الثانية، والفرقَ بين قولك (ادع الله لي يا أخي) للحي القادر وقولك (أغثني يا ولي الله). وأنت إن سألت غيرك الدعاء لك فأنت تدعو له أيضًا، بل كل مسلم يدعو للمسلمين، وتدعو الله لا يمنعك دعاء غيرك لك من هذا. وأما الاستغاثة بالمخلوق فأنت تنتظر منه فعلًا كما تنتظره من رب العالمين. وهم أنفسهم يدركون الفرق، فتجده يرجو فضل دعاء أي مسلم له، ولكنه إن استغاث انتقى كبار الأولياء من الموتى. فحتى شفاعة النبي صلى الله عليه وسلم أمرنا أن نسألها رب العالمين له (آت محمدا الوسيلة والفضيلة وابعثه اللهم مقاما محمودا الذي وعدته) حتى لا يتخذها البعض ذريعة لتبرير التعلق التام بالمخلوق وإنزاله منزلة لا تنبغي إلا لرب العالمين. أنت تسبح الله وتحمد الله وتكبر الله حتى إذا جاء الدعاء والاستغاثة استغثت بغيره! هل رأيت أحدًا يقول: سبحان عبد القادر والحمد للرفاعي، ثم يقول بعدها: هذا مجاز عقلي والقصد سبحان خالق عبد القادر والحمد لله على نعمة الرفاعي؟ لو قالها شخص لم يشك مسلم بشركه وتلاعبه.