كشّاف أبي جعفر

من السؤال إلى موضع الجواب

تخطَّ إلى المحتوى
كشّاف أبي جعفر
المقالات مقالة

شيء من الآثار الجانبية للديمقراطية الليبرالية: زوال الوهم المدني!

المصدر
شيء من الآثار الجانبية للديمقراطية الليبرالية: زوال الوهم المدني! جاء في كتاب أساسيات علم السياسة لستيفن تانسي ونايجل جاكسون: هل من أزمة في السياسة الديمقراطية؟ تكون المشاركة المدنية عندما يشارك المواطنون في مجتمع مدني، كأن يكون الفرد عضوًا في نقابة مهنية أو تجارية، أو أن ينتظم في مجموعة شبابية، أو ينتمي إلى جمعية خيرية. تشكل هذه النشاطات المتفرقة مجتمعةً رأسمالًا اجتماعيًّا فيما يتعلق بالصحة العامة للمجتمع؛ وبالتالي تعمل بوصفها رباطًا اجتماعيًّا (نوريس وكيرتس، ٢٠٠٤). ويقترح بوتنام (٢٠٠٠) أن المشاركة المدنية هي الأسمنت المخفي الذي يضع جماعات سكنية مختلفة ضمن بنية تحتية اجتماعية شاملة. ومع أنه يمكن للنشاط المدني أن يكون غير سياسي، إلا أنه يتضمن اهتمامًا بالقضايا العامة التي هي الأساس الحقيقي الذى تقوم عليه السياسة. وجهة النظر المقبولة على نطاق واسع بين علماء الاجتماع والسياسة أنه عبر السنين الثلاثين الماضية، كان هناك انحدار في المشاركة المدنية في الديمقراطيات الليبرالية (نوريس وكيرتس، ٢٠٠٤). ويُذكر أن هذا الانحدار كان حادًّا بشكل خاص بين الناس الأصغر سنًّا والأفضل تعليمًا (بوتنام، ٢٠٠٠). كما يقال إن أحد المظاهر الواضحة لذلك تتجلى في الهبوط العام بأعداد الناخبين من الشبان في العديد من البلدان الغربية. كذلك يقال إن هذا الهبوط يمثل إما لامبالاة سياسية تجاه الديمقراطية الليبرالية أو إحساسًا بالغربة، خاصة بين جيل الشباب. لقد قُدم عدد من التفسيرات المختلفة للإحساس المتزايد بزوال الوهم المدني أو الغربة. أحد هذه التفسيرات هو أن أزمة في الليبرالية قد أدت إلى نمو الفردانية المفرطة التي خفضت من الطبيعة التواصلية للمشاركة المدنية (مازوليني، ٢٠٠٠). ويقترح تفسير بديل أن عملية التواصل نفسها، على شكل التسويق السياسي، هي التي أدت إلى التركيز على الفرد على حساب المجتمع (تورو، ١٩٩٧؛ بوتنام، ٢٠٠٠). ويقترح باتي وآخرون (٢٠٠٠)، مركزين على بريطانيا بشكل خاص، أن هناك عددًا من العوامل التي تقلص من رغبة المواطنين في التعاون: الحركة الجغرافية المتزايدة؛ وانحدار القيم الدينية؛ وإضعاف وحدة الطبقة الاجتماعية؛ ونمو "الدولة- السوق". أقول: الكاتبان البريطانيان يتكلمان عن الديمقراطيات الليبرالية التي في غرب أوروبا وأمريكا والتي يرى كثير من الناس أنها القدوة والأمل! هناك شيء اسمه المؤسسات المدنية أو مؤسسات المجتمع المدني، والتي كان بعض المنظرين الكبار مثل هوبز يرون أنها الضمان ضد حصول استبداد، وهذه المؤسسات هي مؤسسات غير حكومية يتعاون فيها الأفراد لأجل النفع المجتمعي العام، وكلما تعددت هذه المؤسسات وقويت كان ذلك دليلًا على قوة المجتمع وأنه صار يعتمد على نفسه أكثر من السلطة. من الأمور المسجَّلة في الكلام أعلاه أن هذا النوع من المؤسسات ضعف جدًّا في الديمقراطيات الليبرالية، وأرجعوا الأمر لأسباب عديدة.. أُلخِّص الأمر بطريقتي، وقد يتقاطع مع ما ذكروه: الديمقراطية الليبرالية مشروع مثالي طوباوي حالم يحمل شعارات محلقة، ولكن الواقع أنه ستار يقبع خلفه التغوُّل الرأسمالي، وهذا يعكس حالة الإحباط، فالكاتبان لم يسجِّلا خمولًا في الأنشطة المدنية الجمعية فحسب، بل سجَّلا خمولًا في عملية الانتخاب والاقتراع. زيادة على أن النمط الليبرالي، والذي يرفع شعارات الحرية وأنت حر ما لم تضر، له وجه آخر، وهو أنه كما لا دخل لك في الناس إذا أخطأوا فكذلك لا دخل لك بهم إذا افتقروا أو احتاجوا، الكلمة التي يرددها بعض الناس في بلداننا على جهةِ المدح: كافي خيري شري. فإن قيل: ولماذا لا يُكتفى بالجانب الممدوح مثل الأعمال الخيرية دون الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر أو التبشير الديني؟ فيقال: في الواقع هذه الأفعال في الغالب لا تكون إلا ضمن عاطفة دينية واحتساب، والعاطفة الدينية يجرُّ بعضها بعضًا. =