كشّاف أبي جعفر

من السؤال إلى موضع الجواب

تخطَّ إلى المحتوى
كشّاف أبي جعفر
المقالات مقالة

أخبار الآحاد في العقيدة: اقلب البحث يعتدل!

المصدر
أخبار الآحاد في العقيدة: اقلب البحث يعتدل! قال الشيعي الإمامي علي أكبر المازندراني في كتابه بدائع البحوث في علم الأصول (٨/ ٣١١-٣١٢): "بل جرت سيرة علمائنا من زمن الأئمة إلى زماننا على الاستناد بالأخبار الآحاد في بيان تفاصيل العقائد الدينية وتدوينها في كتبهم، كتفسير القمي والعياشي والمحاسن وكتاب سليم بن قيس الهلالي ونوادر الحكمة والاحتجاج وكتاب التوحيد وعيون أخبار الرضا والعلل والمجازات النبوية ومعاني الأخبار والخصال وغير ذلك من الجوامع والكتب الروائية. فلو لم يكن الأخبار الآحاد حجّة في تفاصيل العقائد لم تكن فائدة في نقلها وتدوينها في كتبهم، بل نراهم كانوا يعاملون معها معاملة الحجّة. ألا ترى وُعَّاظنا وخطباءنا لا يزالون -من القديم إلى زماننا- يستندون إلى الأخبار الآحاد في مقام الإنذار والوعظ وتبليغ رسالات الله. فلو لم يكن الأخبار الآحاد حجَّة فيها، لكان كلهم مفترين على الله؛ لعدم حجّة لهم في إسناد تفاصيل العقائد الدينية إلى الله والإخبار عنها من جانب الشارع. مع أنه لا يُعدّون فاسقين مفترين على الله في ارتكاز المتشرعة بل لا يخطر ذلك ببال أحد إلا إذا كان الخبر ضعيفًا فاقدًا لشرائط الاعتبار. بل لا يبعد دعوى سيرة المتشرعة على ذلك؛ نظرًا إلى استقرار سيرتهم منذ أقدم عصور الغيبة -بل من زمن الأئمة إلى الآن- على قبول ما كان الوُعَّاظ والخُطباء والمحدّثون والمبلّغون والعلماء يُخبرون عنه في تفاصيل العقائد الدينية في مكتوباتهم ومكالماتهم الشفاهية في مقام الوعظ والإنذار والتبليغ؛ حيث إِنّه لم يُسمع إنكار المؤمنين عليهم مهما كانوا يخبرونهم عن تفاصيل العقائد بطريق أخبار الثقات والعدول. وهذا يثبت أن العلماء العدول وأجلاء المحدّثين والمؤمنين والمتديّنين كانوا جميعًا يعاملون مع الأخبار الآحاد القائمة في تفاصيل العقائد معاملة الحجّة. نعم ههنا شبهة، وهي أنه لو كان الخبر الواحد القائم في تفاصيل العقائد حجّة ويجب الإيمان به، يلزم كون منكره خارجًا عن ربقة الإيمان. والجواب: أن غاية ما يلزم كون إنكاره معصية؛ لأنّه مخالفةُ واجب شرعي. ولازمه فسق منكِرِه وخروجه عن العدالة بذلك، من دون أن يلزم كفره؛ لقيام الضرورة على عدم الكفر بذلك". أقول: قد يستروح بعض أهل السنة لهذه الحجة ويستخدمها في سياقنا، فيقول إن الإمام أحمد حين كتب الإيمان استدل بأخبار آحادية، وكذلك البخاري في كتاب التوحيد والإيمان من صحيحه وخلق أفعال العباد له، وكذلك أبو داود في كتاب السنة من سننه، وكذلك الترمذي في جامعه، والنسائي في كتاب النعوت من السنن الكبرى، وكذلك ابن ماجه في مقدمة سننه خصوصًا في باب "ما أنكرت الجهمية"، وغيرهم كثير. غير أن الأمر أعمق من هذا وإن فهمته لم تعد المسألة مشكلة عندك. البحث دائمًا يوضع هكذا (هل يُستدل بأخبار الآحاد في العقيدة أو تفاصيل الاعتقاد أو فروع الاعتقاد). أخبار الآحاد كلمة مفهومة، ولكن ما تعريف مسائل الاعتقاد أو مسائل الأصول؟ مسائل الأصول عند عدد من أهل الكلام هي المسائل المتعلقة بالغيبيات أو ما كانت تابعة لأصل كبير ثبت بشكل قطعي، مثل اعتبار كل ما يتعلق بباب الصفات بابًا عقديًّا لأن أصل الباب ثابت بطريقة قطعية، أو كل ما يتعلق بيوم القيامة مسألة عقدية لأن أصل القيامة ثابت بشكل قطعي. وترتب على هذا أن بعض المتكلمين صار يكفِّر كل مخالف في أي مسألة من هذه المسائل لأنها أصول بالإلحاق، وهذا الأمر كان محطَّ نقد من متكلمين آخرين. وأما عند أهل السنة فمسائل الأصول هي المسائل التي أدلتها ظاهرة واشتهر توارد العلماء عليها ومخالفة الأهواء فيها، لهذا رتب العلماء على مخالفتها تكفير أو تبديع. ولهذا تجد مسائل مثل المسح على الخفين مذكورة في كتب الاعتقاد، ولهذا بعض المسائل تكون أصولًا في حق إنسان أو زمان ومكان معينين ولا تكون كذلك في حق آخر، وهذا يفسر لك اختلاف حكمهم على من يفضل عليًّا على عثمان، فيعذرون بعض الناس، وفي زمن معين بعد انتشار الأدلة يقولون (هذا الآن شديد). وهناك مسائل عديدة لم تزل مشهورة ومعروفة خصوصًا ما يخالف فيه المتكلمون لأنهم يخالفون ظواهر النصوص والفطرة. =