كشّاف أبي جعفر

من السؤال إلى موضع الجواب

تخطَّ إلى المحتوى
كشّاف أبي جعفر
المقالات مقالة

بين محبتين..

المصدر
بين محبتين.. أقرأ في أشعار العشاق ممن تولهت قلوبهم ببعض بنات جنسهم فأرى وجداناً عالياً غير أنني أَجِد هذه المحبة دائماً مرتبطة بالشكاية من صدود المحبوب أو صعوبة الوصول إليه وبالحزن والأسى والبكاء على الأطلال واستحالة أيام الوصال إلى أيام تباعد ونوى ولا تشتعل المشاعر ويجود الشعراء بعذب الكلام إلا والحال هذه وأما إذا وقع الوصال على ما يريدان فسرعان ما يذبل كل ذلك وتحل محله مشاعر أخرى بحسب نوع الوصال غير أن تلك الوجدانيات العالية تنطفيء تماماً وأقرأ في كلام السادات ممن تدرجوا في مسالك العبودية وذاقوا محبة الله وعرفوا وبعدما عرفوا اغترفوا فأرى أيضاً وجداناً عالياً ولكن مع أحوال أخرى فحال المحبين الأوائل أن محبتهم تكدر عليهم ملذات العيش إذا بعد المحبوب وأما أصحاب المحبة لله فالحال معهم معكوسة فهذه المحبة أورثت يقيناً فصار الأمر كما دعا بذلك خليل الرحمن ( ومن اليقين ما تهون به علينا مصائب الدنيا ) ، هم لا يَرَوْن محبوبهم سبحانه في هذه الفانية غير أنهم يشهدون آثار رحمته وحكمته وعلمه وحلمه في كل شيء يرونه وكل همتهم الشوق إلى لقائه وهم على يقين بذلك غير أنهم يريدون منه الرضا ويتخذون كل شيء مدرجاً إليه إن جاءت مصيبة صبروا عليها ليأجرهم ويكفر عنهم بها ، وإن جاءت نعمة شكروا عليها ليأجرهم عليها ويثيب على هذا الشكر نعماً أسمى وأبقى في الآخرة وإن عبدوه قدموا الرجاء والاعتراف بالتقصير بين يدي العبادة وهم عالمون أنه عفو كريم شكور غفور يعفو عن التقصير ويكرم عباده وإن قصر عملهم عن استحقاق الإكرام ويشكر الحسنة القليلة ويغفر الذنب العظيم ثم يأتون بكل ذلك يوم القيامة جمعوا الحسنة على الحسنة عسى أن يستحقوا بها كرامة النظر إلى الرحمن وجواره وأعظم ذلك كله قلب اجتمع فيه المحبة والخوف والرجاء وقاد الجوارح إلى هذه المقامات العلية يأتي القلب ومعه جوارحه ولسان حالهم أنسنا بمحبتك في الدنيا فأتم أنسنا بجوارك والنظر يا من لا نعرف الخير إلا منك وهل ترى أن أصحاب المحبة الثانية لا يعرفون المحبة الأولى ؟ أما إنهم يعرفونها ولكنهم ينظرون إليها على أنها نعمة من نعم الكريم وآياته وأثر من آثار رحمته فهي فرع لا أصل ولا يصلح أن ينقض الأصل بالفرع إذ يزول الأصل ولا قوام للفرع دون أصله وعلة ما ذكرناه من عذاب أولئك المولهين أنهم راموا هذا المحال أن يستقيم لهم الفرع وقد ضيعوا الأصل.