كشّاف أبي جعفر

من السؤال إلى موضع الجواب

تخطَّ إلى المحتوى
كشّاف أبي جعفر
المقالات مقالة

الإنصاف وسلامة الصدر ومسالك الجدل القويم...

المصدر
الإنصاف وسلامة الصدر ومسالك الجدل القويم... قال ابن خلدون في رحلته: "فقال: ومنوشهر له علينا ولادة من قبل الأمهات. ثم أفضت مع الترجمان في تعظيم هذا القول منه، وقلت له: وهذا مما يجعلني على بني لقائه. فقال الملك: وأي القولين أرجح عندك فيه، فقلت إنه من عقبة ملوك بابل، فذهب هو إلى ترجيح القول الآخر. فقلت: يعكر علينا رأي الطبري، فإنه مؤرخ الأمة ومحدثهم، ولا يرجحه غيره، فقال: وما علينا من الطبري؟ نحضر كتب التاريخ للعرب والعجم، ونناظرك. فقلت: وأنا أيضاً أناظر على رأي الطبري، وانتهى بنا القول". قد أحسن ابن خلدون في اتكائه على عالم متقدم لدفع الشنعة عن نفسه أمام الملك. وأحسن الملك في عدم تسليمه بقول الطبري مجرداً، ومطالبته بقراءة كلام بقية المؤرخين. وهكذا الناس في حواراتهم العلمية في الأبحاث التاريخية، إما يقلدون متقدماً مشهوراً دون التشنيع على من وافق متقدماً آخر بنفس المنزلة، ولم تظهر بينة لأحدهما على الآخر،أو يبحثون على التحقيق والترجيح والمقارنة بين كل المقالات. أما الطريقة الحاضرة اليوم وهي أن تأتي بتعديل رجل متأخر لرجل جرحه المتقدمون (باعتراف هذا المتأخر) ثم تشنع على من يأخذ بكلام المتقدم فهذا مسلك عجيب (أعني مبحث إمام أهل الرأي) واليوم الناس يقولون (إنصاف) ويعنون بالإنصاف اختيار أخف الأقوال في الشخص، أو تبرئته مما يلحق به من التهم مطلقاً، وهذا غير دقيق. فإن التبرئة قد يكون مبناها التعصب لداعي الاتفاق المذهبي، وقد يكون داعيها ضعف التحقيق أو سلامة الصدر، فإن كان داعيها التحقيق مع كون هذا المبرأ مخالفاً أو ليس إماماً للباحث فهذا يسمى إنصافاً. ولنأخذ عدة أمثلة ليتضح المقال: قال ابن القيم في الكافية الشافية (النونية): "ولأجل ذا ضحى بجعد خالد الـ ... ـقسري يوم ذبائح القربان إذ قال إبراهيم ليس خليله ... كلا ولا موسى الكليم الداني شكر الضحية كل صاحب سنة ... لله درك من أخي قربان". هنا يظهر ثناء ابن القيم على خالد القسري في قتله للجعد، فهو يقول (لله درك يا أخي قربان) نقل الذهبي في عدد من مصنفاته ما يلي: "قال عبد الله بن أحمد: سمعت ابن معين يقول: خالد بن عبد الله القسري رجل سوء، يقع في علي". هنا قد يأتي بعض الناس وينصب الخلاف بين يحيى بن معين الإمام المتقدم قرين الإمام أحمد وابن القيم، فيقول كيف أثنى هذا عليه وذمه هذا. وقد يأتي إنسان ويقول من أثنى عليه مدحه بفعل حسن، ومن ذمه ومن طعن فيه ذمه باعتبار آخر غير اعتبار المدح، وبالتالي لا تعارض، ولا داعي لضرب كلام الناس بعضه ببعض، وأن نتحدث عن صخرة خالد القسري! ثم لو فرضنا أن هناك تعارضاً فكلام يحيى بن معين يقدم لأن عصره قريب من عصر خالد القسري، ولأنه إمام متخصص في الجرح والتعديل وأحوال الرجال، ولأن الجرح المفسر مقدم على التعديل المجمل، والاعتذار للمعدل بأنه حسن الظن أو لم يحقق الحال أيسر من الاعتذار للمجرح بأنه ما تثبت إن كان الأمر بمجرد التقليد. هذا هو المسلك العلمي، وأما اليوم فترى عجباً؛ يأتي أحدهم بتعديل متأخر لرجل متقدم جرحه معاصروه ومن جاءوا بعده، ويراك إن خالفت المتأخر فأنت طاعن فيه، وهو يخالف المتقدم ولا يكون طاعناً، ويدعي إجماعات المتأخرين التي لا تنضبط، وينسى مخالفة المتقدمين، وأن هناك من ادعى إجماعهم على جرح من يعظم. وخذ مثالاً آخر على أمر التعديل المبني على حسن ظن وسلامة صدر، والجرح المبني على التحقيق: جاء في ترجمة الواقدي في تهذيب الكمال: "عن إبراهيم الحربى، قال: كان الواقدى أعلم الناس بأمر الإسلام، فأما الجاهلية فلم يعلم منها شيئا. و عن موسى بن هارون، قال: سمعت مصعبا الزبيرى يذكر الواقدى، فقال: والله ما رأيت مثله قط. قال: و سمعت مصعبا يقول: حدثنى من سمع عبد الله -يعنى ابن المبارك- يقول: كنت أقدم المدينة فما يفيدنى و لا يدلنى على الشيوخ إلا الواقدى. و عن يعقوب مولى أبى عبيد الله، قال: سمعت الدراوردى و ذكر الواقدى، فقال: ذاك أمير المؤمنين فى الحديث". أقول: هذه كلها نقولات من كتاب يعقوب بن شيبة، وذكر ثناءات أخرى. أقول: هل هؤلاء الذين أثنوا على الواقدي (أنصفوه) في مقابل ظلم من ظلمه أم أنهم حسنوا به الظن، وكان كلامهم تعديلاً خاطئاً مع أن عدداً منهم جالسه وعرفه. اليوم لا يختلف الباحثون في اطراح هذه التعديلات كلها لأنها معارضة بجروح مفسرة من أئمة هم أجل من هؤلاء المادحين. قال الشافعى فيما أسنده البيهقى: "كتب الواقدى كلها كذب". و قال النسائى فى (الضعفاء): "الكذابون المعروفون بالكذب على رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم أربعة: الواقدى بالمدينة، و مقاتل بخراسان، و محمد ابن سعيد المصلوب بالشام. و ذكر الرابع". و قال ابن عدى: "أحاديثه غير محفوظة والبلاء منه". =