كشّاف أبي جعفر

من السؤال إلى موضع الجواب

تخطَّ إلى المحتوى
كشّاف أبي جعفر
المقالات مقالة

السجزي ليس على طريقتكم وخير لكم ألا تذكروا اسمه ...

المصدر
السجزي ليس على طريقتكم وخير لكم ألا تذكروا اسمه ... بعض الناس ممن هو نصف حداثي ونصف سلفي يظن نفسه باحثاً مصنفاً، ويغره مدح العوام، وأشباه العوام وغيرهم، ممن سبب اقتناعهم بكلامه وفرحهم به أنه أشبه بثقافة حداثية نشأوا عليها، ولو طردوا أصولها لما صار لهذا الباحث أي قيمة تذكر في مجال تخصصه الذي يفرح به، ويردد كلمة متخصص بشكل مستمر. تجد بعضهم يورد أمراً معروفاً بين طلبة العلم، ويوهم عوام الناس أنه جاء بالنقل القاصم الذي قصم به ظهور الغلاة، وسيخرج الناس من ضيق التشدد إلى سعة سماحة الاعتدال. ومن ذلك أن أحدهم جاء بنقل السجزي للخلاف في تكفير من يقول بخلق القرآن مستدلاً على من أنكر عليه جعل المسألة فروعية. وإنني لأستغرب من استدلالهم بمثل هذه الأمور، والتي هي استدلالات مكرورة ومنتقدة، أشاعها مجموعة من الحركيين زمناً، وظهر للباحثين المنصفين ما فيها. وتجد المرء فيهم يكرر بشكل هستيري كلمة (متخصص) و (متخصصين) ويتواردون على الحديث عن معاناة البحث العلمي، وعامة ما عندهم مكرور ومجتزأ. والمعاناة الحقيقية هي التي يجدها من ينظر في كلامهم، ويضبط أعصابه حين يرى مستوى الاستهانة بعقول المتلقين وكأنهم أطفال. والجواب على استدلالهم بكلام السجزي من وجوه: أولها: أن السجزي الذي نقل الخلاف في تكفير القائل بخلق القرآن ادعى الاتفاق على تكفير القائل بقول الأشاعرة في القرآن! قال السجزي في الرد على من أنكر الحرف والصوت، وهو يرد على الأشاعرة: "فقد بان بما قالوه أن القرآن الذي نفوا الخلق عنه ليس بعربي، وليس له أوّل ولا آخر. ومنكر القرآن العربي وأنه كلام الله كافر بإجماع الفقهاء ومثبت قرآن لا أوّل له ولا آخر كافر بإجماعهم" فإن قيل: كيف ينقل الخلاف في القول بخلق القرآن وينقل الاتفاق على التكفير بقول الأشاعرة؟ فالجواب: أن هذا قول الكثيرين من أهل العلم، يرون قول الأشاعرة أشر من قول المعتزلة، وهذا قال به السجزي؛ وابن حزم؛ وابن قدامة، ومال إليه ابن أبي العز. قال ابن أبي العز في شرح الطحاوية: "فإن قالوا: إنما أشار إلى حكاية ما في نفسه وعبارته وهو المتلو المكتوب المسموع، فأما أن يشير إلى ذاته فلا - فهذا صريح القول بأن القرآن مخلوق، بل هم في ذلك أكفر من المعتزلة، فإن حكاية الشيء بمثله وشبهه. وهذا تصريح بأن صفات الله محكية، ولو كانت هذه التلاوة حكاية لكان الناس قد أتوا بمثل كلام الله، فأين عجزهم؟! ويكون التالي - في زعمهم - قد حكى بصوت وحرف ما ليس بصوت وحرف. وليس القرآن إلا سوراً مسورة، وآيات مسطرة، في صحف مطهرة". فهو يقول: (أكفر). وقال ابن القيم في مختصر الصواعق المرسلة: "فَتَأَمَّلْ هَذِهِ الْأُخُوَّةَ الَّتِي بَيْنَ هَؤُلَاءِ وَبَيْنَ هَؤُلَاءِ الْمُعْتَزِلَةِ الَّذِينَ اتَّفَقَ السَّلَفُ عَلَى تَكْفِيرِهِمْ، وَأَنَّهُمْ زَادُوا عَلَى الْمُعْتَزِلَةِ فِي التَّعْطِيلِ فَالْمُعْتَزِلَةُ قَالُوا: هَذَا الْكَلَامُ الْعَرَبِيُّ هُوَ الْقُرْآنُ حَقِيقَةً لَا عِبَارَةً عَنْهُ، وَهُوَ كَلَامُ اللَّهِ، وَإِنَّهُ غَيْرُ مَخْلُوقٍ". فابن القيم يقول: (زادوا على المعتزلة في التعطيل) ولابن تيمية كلام نحو هذا في التسعينية. وقال ابن حزم في الفصل في الملل والنحل: "وَهَذَا كفر مُجَرّد بِلَا تَأْوِيل وَذَلِكَ أننا نسألهم عَن الْقُرْآن أهوَ كَلَام الله أم لَا فَإِن قَالَ لَيْسَ هُوَ كَلَام الله كفرُوا بِإِجْمَاع الْأمة وَإِن قَالُوا بل هُوَ كَلَام الله سألناهم عَن الْقُرْآن أهوَ الَّذِي يُتْلَى فِي الْمَسَاجِد وَيكْتب فِي الْمَصَاحِف ويحفظ فِي الصُّدُور أم لَا فَإِن قَالُوا لَا كفرُوا بِإِجْمَاع الْأمة وَإِن قَالُوا نعم تركُوا قَوْلهم الْفَاسِد وقروا أَن كَلَام الله تَعَالَى فِي الْمَصَاحِف ومسموع من الْقُرَّاء ومحفوظ فِي الصُّدُور كَمَا يَقُول جَمِيع أهل الْإِسْلَام". تأمل الاتساق والتآخي بين الكلام السجزي وكلام ابن حزم، وهذا كله أشير له في كلام الإمام أحمد حين قال اللفظي العالم شر من الجهمي، والجويني نفسه فهم أن السجزي يكفرهم في رده على السجزي. قال ابن تغري بردي في النجوم الزاهرة في ملوك مصر والقاهرة: "السنة الثامنة عشرة من خلافة المستنصر وهي سنة خمس وأربعين وأربعمائة. فيها وقف طغرلبك السلجوقي على مقالات الأشعري كان طغرلبك حنفياً، فأمر بلعن الأشعري على المنابر، وقال: هذا يشعر بأن ليس لله في الأرض كلام. فعز ذلك على أبي القاسم القشيري، وعمل رسالة سماها شكاية أهل السنة ما نالهم من المحنة. ووقع بعد ذلك أمور، حتى دخل القشيري وجماعة من الأشعرية إلى السلطان طغرلبك المذكور وسألوه رفع اللعنة عن الأشعري. فقال طغرلبك: الأشعري عندي مبتدع يزيد على المعتزلة ، لأن المعتزلة أثبتوا أن القرآن في المصحف وهذا نفاه". = وقال ابن عثيمين في شرح السفارينية: "فصار المعتزلة والجهمية خيراً منهم من هذا الوجه؛ لأن الجهمية والمعتزلة يقولون هذا كلام الله، وهم يقولون: هذا ليس كلام الله، بل هو عبارة عن كلام الله". وعامة دعاة التسامح العقدي في غير القضايا السياسية، والاقتصادية، والاجتماعية، أو إن شئت فقل فيما لا تعلق له بالبطون، والفروج، والطموحات، السلطوية يخالفون ضرورة يعرفها كل بني آدم، أن مسائل الدين تتفاوت وضوحاً وخفاءاً، وأن التسامح في مسألة لا يعني التسامح في أخرى أوضح منها، وأن التسامح مع مخالفة لا يقتضي التسامح مع مخالفة أشد منها، وأن عذر بعض الأفراد في مخالفة ما لا يعني عذر كل الواقعين، فقد تبلغ الأدلة شخصاً فتقيم عليه الحجة ولا تبلغ آخرا. وطرح ذم التكفير والتبديع والتفسيق مطلقاً طرح محلق ومتناقض، فإن أصحابه لاحقاً سيصيرون يوالون ويعادون على عدم التكفير، والتبديع، والتفسيق. ويقولون في مخالفيهم عبارات هي نظير التبديع، والتفسيق، وربما نظير التكفير. الوجه الثاني: أن السجزي متوفى عام 444 هـ، والعالم إنما يستدل بقوله إذا لم يخالفه غيره. وقد نقل الإجماع على تكفير الجهمية بالقول بخلق القرآن الرازيان، وحرب الكرماني، وقال البخاري (إني لأستجهل من لا يكفرهم) فهذا معناه أنه لا يعده في أهل العلم، وبالتالي يرى إجماع العلماء على تكفير الجهمية. وهؤلاء جميعاً أقدم وأقعد من السجزي، وشرط الاستدلال بقول عالم ألا يخالفه من هو مثله أو أعلم منه، وهذا نقل فإذا عارضه نقل غيره رجحنا بينهم. والخلاف داخل مذهب الحنابلة في تكفير من لا يكفر الجهمية، وهذا معتمد عندهم يدل على انعدام الخلاف أو ضعفه. قال ابن تيمية كما في مجموع الفتاوى (12/489): "وقد نقل عن أحمد ما يدل على أنه كفر به قوما معينين فأما أن يذكر عنه في المسألة روايتان ففيه نظر أو يحمل الأمر على التفصيل. فيقال: من كفره بعينه؛ فلقيام الدليل على أنه وجدت فيه شروط التكفير وانتفت موانعه ومن لم يكفره بعينه؛ فلانتفاء ذلك في حقه هذه مع إطلاق قوله بالتكفير على سبيل العموم. والدليل على هذا الأصل: الكتاب والسنة والإجماع والاعتبار. أما الكتاب: فقوله سبحانه وتعالى: {وليس عليكم جناح فيما أخطأتم به} وقوله تعالى {ربنا لا تؤاخذنا إن نسينا أو أخطأنا} ." هذا النقل الهام المحوري عن ابن تيمية والذي لو تم إشهاره كما أشهر غيره لارتحنا من كثير من الغلو والجفاء. فابن تيمية يرى أن العالم إذا رأى أن القول الفلاني كفر ثم عذر الجاهل بهذا القول، وكفر العالم فاسمه مكفر، ولا يقال عنه أنه غير مكفر، أو عنه روايتان. واليوم الخلل العلمي المنتشر أنهم يقولون: (العالم الفلاني لا يكفر الطائفة الفلانية) ثم تكتشف أنه يرى قولهم كفراً، ويكفرهم بعد قيام الحجة، ويكفر علماءهم، وأغلوطة (لا يقال العالم يكفر) حتى يكفر كل الأعيان وإن لم يكن كذلك فهو قائل بإسلام كل أفراد الفرقة. من أخطر الادخالات الحركية على العلم، والتي أدخلت من الغلو والجفاء على أمة الإسلام ما لم تعرفه في تاريخها كله. والشيخ هنا واضح أنه يبين من أين دخل الخلل على السجزي. الوجه الثالث: السجزي حين نقل الخلاف في تكفير القائل بخلق القرآن لم يسقط المسألة من مسائل العقيدة، فليس من شرط الإنكار على فرقة ودعوة أهلها تكفيرهم. فالمرجئة؛ والشيعة المفضلة؛ والخوارج؛ والقدرية المتوسطة لم يكفرهم كثيرون، بل نقل الاتفاق على عدم تكفير بعضهم. ومع ذلك أهل العلم يردون عليهم في كل كتاب عقيدة، ولا يساوون أصحاب هذه الفرق بأهل السنة من كل وجه. فنفي التكفير أو نقل الخلاف في التكفير لا يعني أن الخلاف هين، بل مجرد نقل الخلاف المعتبر في تكفير صاحب المقالة يعني أن المسألة خطيرة جداً. الوجه الرابع: السجزي حين نقل الخلاف ما رمى المكفرين بالخارجية، أو تفريق الأمة، وغيرها من الألقاب التنفيرية التي يستخدمها المستدل وغيره، والتي لو أنصف لعلم أنه لا يسلم من هذا النبز عامة علماء الأمة من أهل السنة ومن أهل البدعة. والكل يعرف أن أمركم يبدأ بأن في المسألة خلافاً، فلا تشددوا على من يخالفكم ثم ينتهي الأمر إلى تشنيعكم على القول الثاني ورميه بالعظائم. خطة تشبه خطط الليبراليين حذو القذة بالقذة.