كشّاف أبي جعفر

من السؤال إلى موضع الجواب

تخطَّ إلى المحتوى
كشّاف أبي جعفر
المقالات مقالة

هل سكت السلف عن تفسير آيات الصفات؟

المصدر
هل سكت السلف عن تفسير آيات الصفات؟ يزعم بعض المفوضة (وهم الذين يتعاملون مع آيات الصفات كأنها لم ترد) أن السلف سكتوا عن تفسير آيات الصفات على طريقتهم التي هي في الحقيقة تعطيل، فهم يسكتون ولكنهم ينصون على أن الظاهر غير مراد، وبالتالي ينتهون إلى نتيجة المؤولة، فهم كمن تسأله هذا أبيض أم أسود، فيأتي المؤول فيقول معاذ الله أن يكون أبيض هو أسود، فيأتي المفوض ويقول لا أدري ولكنه ليس أبيض، هكذا هم، المعطل يقول اليد القدرة والمفوض يقول لا أدري ثم يثبت القدرة من نص آخر وينزه عن اليد. ولو كان هذا حقيقة مذهب السلف لما أنكروا على الجهمية تأويلاتهم. الرواية التي يستدلون بها هي ما قال البيهقي في الأسماء والصفات ٨٦٩ - أخبرنا أبو عبد الله الحافظ، أخبرني محمد بن يزيد، سمعت أبا يحيى البزاز، يقول: سمعت العباس بن حمزة، يقول: سمعت أحمد بن أبي الحَوَارِيِّ، يقول: سمعت سفيان بن عُيَيْنَةَ، يقول: كل ما وَصَفَ الله تعالى من نفسه في كتابه فتفسيره تلاوته، والسكوت عليه. [ص:٣٠٨] وقال أيضًا ٧٢٥ - وأخبرنا أبو عبد الله الحافظ، قال: سمعت أبا عبد الله محمد بن إبراهيم بن حَمْشٍ، سمعت أبا العباس الأزهري، سمعت سعيد بن يعقوب الطَّالْقَانِيَّ، سمعت سفيان بن عُيَيْنَةَ، يقول: كل ما وَصَفَ الله تعالى من نفسه في كتابه فتفسيره تلاوته والسكوت عليه. أقول: الرواية لا تخدمهم لأنه يقول "كل" وهم لا يفوضون كل الصفات، فالصفات الذي يثبتها الأشعرية مثل السمع والبصر لا تُفوَّض، فهذا يدل على أنه أراد إثبات الظواهر على ما هي عليه. قال الجوهري صاحب الصحاح من أقدم معاجم اللغة: وج هـ: (الْوَجْهُ) معروفٌ والجمعُ (الْوُجُوهُ) . أي أن كلمة الوجه لا تحتاج إلى تعريف فهي معروفة، والأمر نفسه يقال في اليد وغير اليد من الصفات، وهذا فيه جواب مفحم على تعنتات اليوم. ولكن زيادة في الإفحام أقول: هذه الرواية مدارها على البيهقي الأشعري، ولو نظرت في أسانيدها لوجدتها لا تخلو من علة، خصوصًا وأنهم يتعنتون في الأخبار ويقولون لا نأخذ بأخبار الآحاد في العقيدة ويرفضون آثار السلف المتواترة في إمام أهل الرأي، حتى سعيد فودة يصف عبد الله ابن الإمام أحمد بالمدلس لأجل ذلك، وبالتالي نحن نكايلهم مكايلة على طريقتهم، وإلا فالأصل التسمح في الآثار ما لم يوجد في متنها ما ينكَر. الرواية لها إسنادان كما ترى أمامك. السند الأول في سنده محمد بن يزيد المعدل، الجُوْري، النَّيْسابُوري، أخو عبد الله الزاهد. حَدَّث عن: أبي يحيى زكريا بن يحيى البزاز، وإبراهيم بن أبي طالب، وأحمد بن محمَّد بن بشار بن أبي العجوز، وإبراهيم بن شريك الأسدي، وذكر أنه حدثه بالكوفة - وغيرهم. وعنه: أبو عبد الله الحاكم -في "مستدركه"، ووصفه بالمعدل- وأبو سعد أحمد بن محمَّد الماليني الصوفي، وغيرهم. ترجمه الحاكم في "تاريخه"، وغير واحد كالأمير ابن ماكولا، وابن طاهر، والسمعاني وغيرهم، وصحح له الحاكم، والحافظ في "الفتح" وقال محقق "الأسماء والصفات" الشيخ عبد الله الحاشدي: لم أعرفه. أقول: هذا كلام صاحب كتاب شيوخ الحاكم وانتهى إلى كونه صدوقًا، ولا يظهر لي ذلك، إذ الحاكم متساهل، وابن حجر يحتاج إلى دعامة ولا يعتمد هو وحده فهو متأخر أصلًا، وكون الرجل عدلًا لا يقتضي توثيقه، فهناك الفقيه والعابد ويكون ضعيفًا، كما هو شأن محمد بن عبد الرحمن بن أبي ليلى فقد كان قاضيًا وهو ضعيف، فالأمر فيه الضبط أيضًا وسيأتي ذكر من خالفه سندا ومتنا في الرواية . وشيخه البزاز هو شيخ الحنفية في زمانه، أثنى عليه الحاكم فحسب، وتساهله معروف، وأثنى عليه الذهبي بالإمامة في الفقه، ومثل هذا أيضًا يحتاج إلى دعامة في أثر كهذا. وعادة المخالفين أنهم يتعنتون في أخبار مثل وكيع بن حدس الذي روى حديث «أويضحك الرب عز وجل؟ قال: "نعم" قال: ‌لن ‌نعدم ‌من ‌رب يضحك خيرًا» وقالوا هو مجهول، مع أنه صحح له الحاكم وابن حبان وابن خزيمة والترمذي والطبري، وقال عنه الجوزقاني صدوق صالح الحديث، وقال ابن حبان من الأثبات، وحسَّن له الذهبي، ومع كل هذا يقولون مجهول، فمن باب أولى أن يقولوا في هذا. =