ولا عزاء بغير إيمان
ولا عزاء بغير إيمان
قال الخطيب البغدادي في تاريخ بغداد (٦/ ٢٨٦): أخبرنا عبيد الله بن أبي الفتح، أخبرنا إسماعيل بن سعيد المعدّل، حَدَّثَنَا الحسين بن القاسم الكوكبي قَالَ: سمعت أبا العباس المبرد يقول: لما توفيت والدة إسماعيل بن إسحاق القاضي ركبت إليه أعزيه وأتوجع له، فألفيت عنده الجلة من بني هاشم والفقهاء والعدول ومستوري مدينة السلام، ورأيت من ولهه ما أبداه ولم يقدر على ستره، وكلّ يعزيه وقد كاد لا يسلو، فلما رأيت ذلك منه ابتدأت بعد التسليم فأنشدته:
لعمري لئن غال ريب الزّما ... ن فينا لقد غال نفسا حبيبه
ولكن علمي بما في الثّوا ... ب عند المصيبة ينسي المصيبه
فتفهَّم كلامي واستحسنه، ودعا بدواة وكتبه، ورأيته بعد قد انبسط وجهه وزال عنه ما كان فيه من تلك الكآبة وشدة الجزع.
أقول: هذه قصة فيها موعظة وطرافة، أما الطرافة ففي كون أبي العباس المبرد الأديب وَعَظ إسماعيل بن إسحاق الجهضمي القاضي الفقيه الصالح الذي كان يعتقد المعتضد أن الله يدفع الشر عن الناس بدعائه.
وهذا يبين لك أن المرء مهما كان فاضلًا تعتريه لحظات ضعف يحتاج فيها مَن يُذكِّره، وربما ذكَّرَه من هو دونه بمراحل ولكن عقله معه لأن المصيبة لم تقع عليه.
وأما الموعظة فالأبيات معناها أننا إذا تذكرنا ثواب الصبر على المصيبة نتعزى بذلك ويخفف عنا.
وهناك أيضًا الإيمان باللقاء في الآخرة.
والمرء مهما عاش ومهما كان غنيًّا لا يمكنه أن يدفع عن نفسه النوائب، خصوصًا فقد الأحبة، ولا أحد يتعزَّى عزاء المؤمن، فالملحد واللاديني والغافل عن الآخرة والاحتساب تذوب نفسه حزنًا ولا يُحسِن التعزي.