شيء من بث روح العزة.
شيء من بث روح العزة.
ابن القيم في الصواعق المرسلة تكلم عن شبهة قديمة حديثة وهي شبهة تقليد الفلاسفة في الإلهيات لأنهم عندهم حذق في العلوم التجريبية وهذه شبهة موجودة عند التغريبيين اليوم
قال ابن القيم وهو يجيب على هذه الشبهة :" فلا إله إلا الله كم أهلكت هذه البلية من أمة وكم ضربت من دار وكم أزالت من نعمة وجلبت من نقمة وجرأت كثيرا من النفوس على تكذيب الرسل واستجهالهم وما عرف أصحاب هذه الشبهة أن الله سبحانه قد يعطي أجهل الناس به وبأسمائه وصفاته وشرعه من الحذق في العلوم الرياضية والصنايع العجيبة ما تعجز عنه عقول أعلم الناس به ومعارفهم وقد قال النبي صلى الله عليه وسلم: "أنتم أعلم بدنياكم"
وصدق صلوات الله وسلامه عليه فإن العلوم الرياضية والهندسية وعلم الأرتماطيقي والموسيقى والجغرافيا وإيرن وهو علم جر الأثقال ووزن المياه وحفر الأنهار وعمارة الحصون وعلم الفلاحة وعلم الحميات وأجناسها ومعرفة الأبوال وألوانها وصفائها وكدرها وما يدل عليه وعلم الشعر وبحوره وعلله وزحافه وعلم الفنيطة ونحو ذلك من العلوم هم أعلم بها وأحذق فيها.
وأما العلم بالله وملائكته وكتبه ورسله واليوم الآخر وتفاصيل ذلك فإلى الرسل قال الله تعالى: {وَعْدَ اللَّهِ لا يُخْلِفُ اللَّهُ وَعْدَهُ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لا يَعْلَمُونَ يَعْلَمُونَ ظَاهِراً مِنَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَهُمْ عَنِ الْآخِرَةِ هُمْ غَافِلُونَ} [الروم7 , 6] قال بعض السلف: يبلغ من علم أحدهم بالدنيا أنه ينقر الدرهم بظفره فيعلم وزنه ولا علم له بشيء من دينه وقال تعالى في علوم هؤلاء واغترارهم بها: {فَلَمَّا جَاءَتْهُمْ رُسُلُهُمْ بِالْبَيِّنَاتِ فَرِحُوا بِمَا عِنْدَهُمْ مِنَ الْعِلْمِ وَحَاقَ بِهِمْ مَا كَانُوا بِهِ يَسْتَهْزِئُونَ} [غافر83] وقد فاوت الله سبحانه بين عباده فيما تناله عقولهم وأذهانهم أعظم تفاوت والعقل يعطي صاحبه فائدته في النوع الذي يلزمه به ويشغله به ويقصره عليه مالا يعطيه في غيره وإن كان غيره أسهل منه بكثير كما يعطيه همته وقريحته في الصناعة التي هو معني بها ومقصور العناية عليها مالا يعطيه في صناعة غيرها وكثيرا ما تجد الرجل قد برز في اللطيف من أبواب العلم والنظر وتخلف في الجليل منهما وأصاب الأغمض الأدق منها وأخطأ الأجل الأوضح هذا أمر واقع تحت العيان فكيف وعلوم الأنبياء ومعارفهم من وراء طور العقل والعقل وإن لم يستقل بإدراكها فإنه لا يحيلها بل إذا أوردت عليه أقر بصحتها وبادر إلى قبولها وأذعن بالانقياد إليها وعلم أن نسبة العلوم التي نالها الناس بأفكارهم إليها دون نسبة علوم الصبيان ومعارفهم إلى علوم هؤلاء بما لا يدرك"
تأمل خاتمة كلام ابن القيم فإنه بيت القصيد ومن تعمق في علوم الناس التجريبية والإنسانية ورأى ما فيها من الاضطراب والضعف علم حقيقة ما قال ابن القيم ثم الصنائع التي فتن بها كثيرون ما هي إلا وسائل محايدة والعلم العلم فوق ذلك لو كانوا يعقلون وأما طب الأبدان فالطب الحديث له نفعه ولا شك غير أن الطب أوسع من مجرد الحديث وفي الوقاية التي الحياة الحديثة ما يكون عنها غنية عن كثير من التطبب
وطب الأبدان غايته تطويل الأعمار وحفظ الأبدان ولكن لماذا وجدت هذه الأبدان أصلاً وما غايتها وما مآلها هذا جوابه في الدين
قال ابن تيمية كما في مجموع الفتاوى (2/84) :" وكان أكثر ما ظهر من علومهم الرياضية كالحساب والهيئة أو الطبيعة كالطب أو المنطقية فأما الإلهية: فكلامهم فيها نزر وهو مع نزارته ليس غالبه عندهم يقينا؛ وعند المسلمين من العلوم الإلهية الموروثة عن خاتم المرسلين ما ملأ العالم نورا وهدى، بل متكلموهم الذين ينسبون إلى البدع عندهم من العلم الإلهي بمقاييسهم المستخرجة أضعاف أضعاف أضعاف ما عند حذاق المتفلسفة"
( ما ملأ العالم نوراً وهدى ) كلمة عجيبة ! وما أحوج العالم لهذا اليوم يعرف هذا كل من تصفح أحوال الناس تصفحاً دقيقاً ومنصفاً بعيداً عن أساطير جماعة جلد الذات ومطاردي الفراديس الأرضية الوهمية
قال #شيخ_الإسلام :
من المعلوم أن كون اليهودي أو النصراني حاذقاً في : طب أو حساب أو كتابة أو فلاحة أو حياكة أو بناء
أو غير ذلك
لا يوجب هذا أن يكون حاذقاً في معرفة الله عزوجل
[ الرد على الشاذلي ص 195 ]
وقال القلقشندي في صبح الأعشى (1/ 538) :" واعلم أن الكتب المصنفّة أكثر من أن تحصى، وأجل من أن تحصر، لا سيّما الكتب المصنفة في الملّة الإسلامية فإنها لم يصنّف مثلها في ملّة من الملل، ولا قام بنظيرها أمّة من الأمم".