كشّاف أبي جعفر

من السؤال إلى موضع الجواب

تخطَّ إلى المحتوى
كشّاف أبي جعفر
المقالات مقالة

قال عبد الرحمن الميداني في أجنحة المكر الثلاثة :" إن نظرة عامة يمر بها الباحث ال

المصدر
قال عبد الرحمن الميداني في أجنحة المكر الثلاثة :" إن نظرة عامة يمر بها الباحث الاجتماعي على الشعوب المستعبدة لسلطات استعمارية، أو لسلطات استبدادية، كافية لأن تكشف له أن نظام الاسترقاق ما زال مطبقاً في العالم الحديث، إلا أنه اتخذ لنفسه صبغة أخرى، مقنعة بأسماء حديثة، منها سلطة القانون، والمستفيد منها أفراد يسترقون الشعوب بحسب أهوائهم، ومنها سلطة الاحتلال - ومنها سلطة الانتداب، ومنها سلطة الحزب الحاكم - ومنها سلطة مستبد ظالم، ويمثل كل هذه الأسماء أفراد يسترقون الشعوب بغير حق، إذ تحميهم القوى المسلحة، وكل من يريد التحرر من الرق المفروض عليه في كل هذه الأنظمة يعتبر عدو القانون، أو عدو السلطة، أو عدو الثورة، أو عدو السيد المستبد، لذلك فهو يستحق كل أنواع التعذيب والاضطهاد حتى القتل. فما الفرق بين رقيق العالم القديم الذي كان مسلوب حرية التملك وحرية العمل الذي قد يفضي إلى التملك، وبين الذين يحرمون من هذه الحرية في بعض أنظمة العالم الحديث، على شكل استرقاق جماعي عام، مستتر باسم النظام العام، أو باسم القانون أو باسم مبادئ الثورة، إلى غير ذلك من أسماء؟!. ما الفرق بين رقيق العالم القديم الذي لم يكن يسمح له بأن يمارس أية نشاط اجتماعي أو سياسي، وبين الشعوب المسترقة التي تحرم من ممارسة أنواع النشاط الاجتماعي والسياسي، في بعض دول العالم الحديث، التي تنعت نفسها بالتقدمية، وبأنها حاملة لواء الحرية؟!. إن معنى الاسترقاق في كل منهما واحد، إلا أنه كان لأفراد فأمسى لأمم وشعوب. ما الفرق بين رقيق العالم القديم الذي كان يكلف بذل ما يستطيع من جهد، مقابل منحه ما يحتاج إليه من ضروريات عيشه، وبين الذين يفرض عليهم نظام من هذا النوع في بعض أنظمة العالم الحديث، على شكل استرقاق جماعي؟!. ما الفرق بين رقيق العالم القديم الذي كان يفرض عليه التزام دين سيده أو مذهبه، وبين شعوب تضطهد في العالم الحديث لتلتزم مذهباً اجتماعياً معيناً، أو تجحد عقيدة دينية معينة وتعتقد غيرها؟!. إن معنى الاسترقاق في كل منهما واحد، إلا أنه كان من أفراد لأفراد، فأمسى من عصابات ذات قوة لأمم وشعوب مغلوبة على أمرها. ما الفرق بين رقيق العالم القديم الذي كان يفرض عليه أن لا يفر من سلطان سيده ودائرة مملكته، وبين شعوب مسورة بأسوار حديدية، تمنعها من أن تتحرر من وطأة أنظمة الحكم التي تفرض عليها وهي لها كا رهة؟!. ألا فليعلم الذين يخادعون الناس بعطفهم على رقيق العالم القديم أنهم من أكثر الناس استعباداً للشعوب وإذلالاً الذين تحت أيديهم، وإن وضعوا لأنظمتهم أسماء أخرى غير اسم الرقيق.