كشّاف أبي جعفر

من السؤال إلى موضع الجواب

تخطَّ إلى المحتوى
كشّاف أبي جعفر
المقالات مقالة

ليس شماتة وإنما موعظة..

المصدر
ليس شماتة وإنما موعظة.. قال الذهبي في تاريخ الإسلام (11/19): "وسار عسكر السّلطان وهم خلْقٌ كثير، فأخذوا كفرطاب من الفرنج واستباحوها، ثمّ ساروا إلى المعرة، فجاء صاحب أنطاكيّة في خمسمائة فارس وألفي راجل، فوقع على أثقال العساكر، وقد تقدّمتهم عَلَى العادة، فنهبوها وقتلوا السّوقيّة والغلمان، وأقبلت العساكر متفرقة، لم يشعروا بشيءٍ، فكان الفرنج يقتلون كلّ من وصل، وأقبل بُرْسُق مقدم العساكر في مائة فارس، فرأى الحال، فصعد تلا هناك، والتجأ إليه النّاس وعليهم ذل وانكسار، فأشار عَلَى برسق أخوه بأنّنا ننزل وننجو، فنزل بهم عَلَى حميّة، وساق وراءهم الفرنج نحو فرسخ، ثمّ ردّوا، فتمّموا الغنيمة والأسْر، وأحرقوا كثيرًا مِن النّاس، واشتدّ البلاء، وتبدَّل فرح المسلمين خوفًا وحُزْنًا، لأنّهم رجوا النَّصر مِن عساكر السّلطان، فجاء ما لم يكن في الحساب، وعادت العساكر بأسوأ حال، نعوذ بالله من الخذلان، ومات بُرْسُق، وأخوه زنكي بعد سنة {قُلْ لَنْ يَنْفَعَكُمُ الْفِرَارُ إِنْ فَرَرْتُمْ مِنَ الْمَوْتِ أَوِ الْقَتْلِ وَإِذًا لا تُمَتَّعُونَ إِلا قَلِيلا}". أقول: برسق وزنكي أميران خذلا المسلمين أمام الفرنج وهربا طلباً للحياة فمات الإثنان بعد عام من هذا الفرار فعلق الذهبي على هذه الحادثة بالآية ( قُلْ لَنْ يَنْفَعَكُمُ الْفِرَارُ إِنْ فَرَرْتُمْ مِنَ الْمَوْتِ أَوِ الْقَتْلِ وَإِذًا لا تُمَتَّعُونَ إِلا قَلِيلا) هنا الذهبي لا يشمت وإنما يذكر ويعظ. فإن الموت يصيب الصالح والطالح غير أن الصالح كان يعمل لهذه اللحظة، وأما الطالح فتراه ارتكب البوائق حباً بالدنيا خصوصاً دعاة الرذيلة ومحاربي الفضيلة ومؤيدي المجرمين كأنهم سيخلدون في هذه الدنيا. يضيع أحدهم آخرته لأجل دنيا غيره وهذا الغير يرمي عليه فتاتاً مع ما يذهب من دينه وراحته وتزرع له في قلوب الخلق بغضاء، وأما من يذب عنه أو يدافع فلا يفعل ذلك محبة وإنما نكاية بغيره. لذا موت الفجار موعظة وأيما موعظة، ينبغي أن تذكر ويذكر بها أضرابهم، وأيضاً يوعظ بذلك أهل الإيمان فلا أحد يأمن على نفسه الفتنة. والأمر لا يقف عند الموت بل هناك الخافضة الرافعة تذكر دوماً أنها (خافضة رافعة) هذه لا تتذكرها في سعادة إلا وخفّ فرحك خوفاً من أن تأتي فتكون الخافضة، ولا تذكرها في حزن إلا ويخف حزنك رجاء أن تأتي فتكون الرافعة.