توضيح حول موضوع شهادة البدوي في كلام الفقهاء
توضيح حول موضوع شهادة البدوي في كلام الفقهاء
ينشر بعض الناس أن الفقهاء يقولون بأن شهادة البدوي لا تقبل ، وهذا غير صحيح ما قال به أحد وإنما وقع الخلاف في شهادة البدوي على القروي وأما الشهادة البدو على بعضهم فمقبولة وقد روي في ذلك خبر استنكره بعض أهل العلم ( لا تقبل شهادة بدوي على قروي )
واختلف العلماء في تعليل هذا الحكم وقبل النظر في التعليل الكلام على هذا الأمر يستلزم أولاً أن نفهم من هو البدوي المقصود فالناس اليوم يطلقون كلمة بدوي على كل من كان أصله يرجع إلى البادية ولو في أجداده السابقين وهذا لا يعنيه كلام الفقهاء بل الحديث يتكلم عن البدوي الذي هو بدوي الآن يعني يسكن البادية لا القرية
إذا فهمت هذا تفهم تعليلات بعض الفقهاء فمن ذلك قول الإمام مالك : لا تجوز شهادة البدوي على القروي لأن في الحضارة من يغنيه عن البدوي، إلا أن يكون في بادية أو قرية، والذي يُشهد بدوياً ويدعُ جيرته من أهل الحضر عندي مريب.
وقال عامة العلماء: شهادة البدوي إذا كان عدلاً يقيم الشهادة على وجهها جائزة.
فهنا مالك بين المأخذ عنده وهي أن أهل القرى في العادة مستقرون وأهل البوادي في العادة رحالون فإذا حصلت معاملة بين قروي وقروي ففي العادة القروي لا يستشهد بدوياً لأن البدوي قد يرحل في أي لحظة بل يستشهد قروياً مثله مكانه ثابت معروف فإذا قدمت أمام القاضي قضية فقلنا للقروي من شهودك على القروي الآخر فيقول فلان البدوي فهذا إن قالها جعلنا نرتاب في أمره وتنوقف في أمر شهادته إذ أن احتمال أن يكون هذا الأعرابي شاهد زور له قوي لأن الأصل في القرويين أنهم يشهدون قرويين مثلهم لثبات منزلهم فتركه للشهادة المضمونة وذهابه للشهادة المتنقلة غير الثابتة توحي بريبة توجب التوقف
ثم إن القضية إذا كانت في القرية فالأعرابي لن يكون عنده مشكلة كبيرة في أن يشهد شهادة مريبة لأن القرية ليست منزله الثابت ولا يخاف من تعيير أهلها ولا حقوقهم بل هو له منزل متنقل لا يثبت على حال ، ومن هذا التوقف في شهادة النساء في بعض الأبواب الشديدة التي تتطلب شهادة قوية وإلا فالأصل البراءة وذلك أن المرأة قديماً لا تكلف بنفقات نهائياً وتخرج منتقبة فلو شهدت شهادة زور أو شهادة ليست متأكدة منها فإن معرة هذه الشهادة عليها ضعيفة جداً بخلاف معرة هذه الشهادة على الرجل الذي يخرج ويعمل ويكون وجهه ظاهراً للناس ، ولهذا شهادة الأعرابي على الأعرابي مقبولة لأن بينهم تعاير وحقوق وأما القروي فمكانه معروف وثابت فحتى لو شهد على أعرابي شهادة زور فالقضاة في العادة في القرية والأمر يشتهر فالأعراب يرحلون للقرية وأهل القرى لا يرحلون للأعراب
وأما ابن عقيل الحنبلي فمع كونه يقبل شهادة البدوي على القروي إلا أنه أشار إلى مأخذ المانعين وهو أن الشهادة عند الفقهاء لا بد فيها من تحقق انتفاء العداوة لحديث ( ولا تقبل شهادة ذي غمر ) ونفي ذلك بين الأعرابي والقروي فيه عسر إذ أن بينهم تعاملات عابرة في كل موسم يأتي فيه الأعراب إلى القرية وقد يكون بينهما شيء ولكن لم ينضبط لكونه عابراً بخلاف حال أهل القرى مع بعضهم والأعراب مع بعضهم فإن العداوات أمرها يستبين لمقام الناس مع بعضهم
وهناك من ذكر مأخذاً آخر وهو أن القضايا بين القرويين في العادة تكون في القرية فإذا جاء أعرابي يشهد فإننا لا يمكننا التأكد من سمعته من أهل القرى لأن لقاءاتهم به عابرة وهذا المأخذ ليس بذلك القوي
ومع هذا كله فإن معظم الفقهاء على قبول شهادة البدوي على القروي إن ثبتت عدالته وهذا ما عليه كثير من متأخري الحنابلة
قال الشيخ محمد بن عبد الوهاب رحمه الله في مختصر الإنصاف :" وشهادة ولد الزنى جائزة في قول الأكثر، وكذا شهادة الإنسان على فعل نفسه، كالمرضعة والقاسم والحاكم. وكذا شهادة البدوي على القروي"
وقال الحجاوي في كشاف القناع :" (و) تقبل (شهادة القروي على البدوي وعكسه) أي شهادة البدوي على القروي؛ لأن من قبلت شهادته على أهل البدو قبلت على أهل القرى وحديث أبي داود وابن ماجه عن أبي هريرة مرفوعا: «لا تجوز شهادة بدوي على صاحب قرية» فمحمول على ما إذا جهلت عدالته الباطنة وخصه بهذا لأن الغالب أن لا يكون من يسأل الحاضر عنه"
قال ابن عقيل العدالة تجمع والمساكن لا تقدح في العدالة ولا توجب التهمة ولو جاز أن توجب تهمة لما قبلت شهادة عربي على عجمي ولا العكس لأن المنافرة والمباينة بين العجم والعرب أكثر من تباين البدو والحضر مع التساوي في العربية.
والبحث أوسع مما ذكرت ولكن الغلط أن يستغل اصطلاح عصري متعلق بتسمية البدو بحسب أصولهم وتنزل عليهم هذه الكلمات مع أنهم في اصطلاح الفقهاء يعتبرون قروية لأنهم لا يحلون ويظعنون كما في السابق وإذا تكلم فقيه فإن كلامه يحتمل على اصطلاح الفقهاء لا عرف العامة
جاء في تاريخ الإسلام للذهبي : وفي رمضان استقر أن يزاد في ألقاب جلال الدولة: «شاهنشاه الأعظم ملك الملوك» . وخطب له بذلك بأمر الخليفة، فنفر العامة ورموا الخطباء بالآجر، ووقعت فتنة، وكتب إلى الفقهاء في ذلك.
ثم ذكر الذهبي فتاوى بعض أفتى بالجواز
ثم قال : وذكر محمد بن عبد الملك الهمداني أن الماوردي منع من جواز ذلك، وكان مختصا بجلال الدولة، فلما امتنع عن الكتابة انقطع، فطلبه جلال الدولة، فمضى على وجل شديد، فلما دخل قال الملك: أنا أتحقق أنك لو حابيت أحدا لحابيتني لما بيني وبينك، وما حملك إلا الدين فزاد بذلك محلك في قلبي .
قال ابن الجوزي : والذي ذكره الأكثرون هو القياس، وإذا قصد به ملوك الدنيا. إلا أني لا أرى إلا ما رآه الماوردي، لأنه قد صح في الحديث ما يدل على المنع، ولكنهم عن النقل بمعزل.
ثم ساق الحديث من «المسند» عن ابن عيينة، عن أبي الزناد، عن الأعرج، عن أبي هريرة، عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «أخنع اسم عند الله يوم القيامة رجل تسمى ملك الأملاك»
أقول : تأمل ما في هذه القصة من حرقة عوام الناس على الدين وعلى مقام رب العالمين ولَم يتخذوا تسهيل من سهل من ضعفاء المتفقهة سببا في التنازل عما يرونه من الثوابت
وتأمل موقف جلال الدولة من صديقه العالم الذي أفتى بخلاف ما يهوى فعلم متانة دينه وعظم له ذلك لانه هو نفسه على ما فيه من هوى الملك له عاطفة دينية من جنس تلك التي عند العوام ولكنه يغلبه هوى الملك في بعض الأحيان وذهاب هذه العاطفة من الحاكم والمحكوم وحلول قيم إنسانوية ومنظومة أهداف معلمنة محلها من أعظم رزايا هذا العصر والتي جعلت المنتسبين للعلم في محنة شديدة ما صمد لها كثير منهم
قال ابن المبارك في كتاب البر والصلة ( وقد ينسبة البعض إلى الحسين المروزي وهذا غلط وإنما هو راويه عن ابن المبارك ) عن نعيم بن ميسرة، عن عبد العزيز بن عمر بن عبد العزيز، قال: " كان عمر بن عبد العزيز له ابن من امرأة من كعب وكان يحبه وينام معه في بيته قال: فتعرضت له ليلة، فقال أعبد العزيز؟ قلت: نعم، فقال: شر ما جاء بك، أدخل. فدخلت، فجلست عند شاذكونية وهو يصلي، فانتفض كأنه مصه من لدن ظفره إلى شعره، فظننت أنه مر بآية، ثم ركع، فأتاني، فقال: ما لك؟ فقلت له: الرجل، وإنك لتصنع بابن الحارثية ما لا تصنع بنا، ولست آمن أن يقال هذا من شيء يراه عنده ولا يراه عندهم، فقال: أعلمك هذا أحد؟ فقلت: لا، فأعاد علي، فأعدت عليه، فقال: ارجع إلى مبيتك، فرجعت، فكنت أبيت [أنا وإبراهيم وعاصم وعبد الله جميعا، فإذا نحن بفراش يحمل يتبعه ابن الحارثية فقلنا: ما شأنك؟ قال: شأني ما صنعت بي. قال نعيم: كأنه خشي أن يكون جورا. قال عبد العزيز: فكان عمر قل ما يفارق الدار إلا ما شاء الله به.
أقول : هذا الأثر فيه درس يحتاجه الكثير من أبناء هذا الجيل
عمر بن عبد العزيز كان عنده ولد يحبه ويبيت معه فجاءه ابنه عبد العزيز وعاتبه في هذا الأمر وأنه يفعل مع هذا الولد ما لا يفعله معهم فسمع عمر لابنه وصار يفعل هذا معهم كلهم
في هذا الأثر درس للآباء الذين يعتبرون مجرد مراجعتهم أو معاتبتهم عقوقاً حتى أثر ذلك على كثير من الأبناء فتجد عندهم الكثير من العتب والتساؤلات حول سلوكيات الآباء والأمهات معهم ويخفونها خوفاً من ردة الفعل مع أن جلسة مصارحة واحدة قد يكون معها أجوبة مريحة أو تنبه لأخطاء يمارسها الآباء أو سوء فهم عند الأبناء ونرتاح من كثير من العقد والانفعالات المبنية على كتم هذه الأمور في الصدور
عمر بن عبد العزيز كان خليفة المسلمين يحكم العالم الإسلامي بأسره ومع ذلك كان ولده يجلس عنده ويعاتبه في أمر كهذا وعمر يسمع منه ويستجيب
ثم انظر إلى فقه عبد العزيز بن عمر بن عبد العزيز إذ أنه لم ير واجب الأب تجاههم فقط في الحقوق المالية كما يظن كثير من أهل العصر بل أيضاً الجانب العاطفي والحميمي وكثير من الآباء قد يعدلون في الجانب المالي ولكن في الجانب الآخر يحيفون حيفاً بيناً ومع الأسف قد يكون سبب الحيف المالي أو العاطفي كون أبناء الرجل المحيف عليهم من امرأة انفصل عنها أو امرأة تزوج عليها وتنافرا فينزل نفرته من المرأة على أولادها أو تكون هي ساعية في ذلك وكل ذلك من عقوق الآباء للأبناء ومن تفريطهم في حقوقهم وعادة الناس أن يشاهدوا حقوق الآباء على الأبناء دون العكس حتى ظن الكثير من الآباء أنه غير محاسب فيما يفعل في أبنائه هذا وإن لم يصرح به كثير منهم إلا أنه لسان الحال فتراه صاحب صلاة وورع وحفظ لحقوق الخلق وتفريط في شأن أبنائه عجيب