وكأنه يمدح صالحين نعرفهم.
وكأنه يمدح صالحين نعرفهم.
كعب بن سعد الغنوي شاعر جاهلي له أخ يدعى أبو المغوار قتل في معركة ذي قار رثاه فصارت من المراثي المعدودة عند العرب واشتهر بها وقد قال عنه الأصمعي بين أصحاب المراثي: ليس في الدنيا مثله
وحقا قصيدته عجيبة ومشجية وقد ذكر في أخيه من خصال الخير ما يجعل القصيدة صالحة لمدح كبار الصحابة بل النبي صلى الله عليه وسلم فقد ذكر كرما وشهامة ونجدة وتنزها عن الفحش وشجاعة ولين جانب مع الإخوان وغيرها من الخصال التي توجد في أعيان الصالحين ، نعم قد توجد في بعض فضلاء الجاهليين ولكنها لا تجتمع فيه ولا تكون متزنة كما هي في الصالحين فتجد الجاهلي كرمه يخرجه إلى السرف وشجاعته تخرج إلى البغي ونجدته تخرج إلى المناصرة على الباطل وحياؤه من قومه يخرج إلى السكوت عن كلمة حق في وقت يحتاج فيه إليها لذا تمام مكارم الأخلاق كان في الإسلام
وعوداً إلى كعب بن سعد
قال ابن أبي الدنيا في كتاب الحلم 116 - حدثني عبد الرحمن ابن أخي الأصمعي، عن عمه، قال: سمعت شوذب بن حبيب الأسدي، عن أبيه، قال: أنشدني كعب بن سعد الغنوي من أهالي برذان: أخي ما أخي لا فاحش عند بيته ولا ورع عند اللقاء هيوب
هو العسل الماذي حلما ونائلا ... وليث إذا يلقى العدو غضوب
لقد كان أما حلمه فمروح ... علينا وأما جهله فغريب
حليم إذا ما سورة الجهل أطلقت ... جنى الشيب للنفس اللجوج غلوب.
أقول : والقصيدة أطول من هذا بكثير وهي ملأى بذكر المآثر مع مسحة شجن عالية ولكن أكثر بيت حركني فيها قوله
إذا ما تراءاه الرجال تحفظو ... فلم ينطقوا العوراء، وهو قريب
معنى البيت أنه لعلو مروءته إذا رآه الرجال لم يتكلموا بالكلام الفاحش أو الباطل لأنه يتضايق من هذا وله هيبة في الحق ، وهكذا كان كثير من الصالحين وكان العامة يحترمون من ظاهره الصلاح حتى كنا نرى المرء يستحي أن يدخن أمام بعض الملتزمين وهذا حياء من الصالحين محمود كحياء أولئك الجاهليين الذين كانوا مع أخ سعد ، وبعض الناس بحجة ذم الرياء حارب هذا الخلق حتى انتقل الناس إلى المجاهرة بالذنوب ويمدحون المجاهر أنه ليس منافقاً ! والواقع أنه داعية سوء وقليل الحياء وهذا تأصيل للفردانية على النمط الغربي والحياء من كبير السن أو من ظاهره الصلاح ألا يرى ما يؤذيه أو يضايقه ولو كانوا ما يقولون صوابا ما قال النبي صلى الله عليه وسلم كل أمتي معافى إلا المجاهرين . ولست مخيراً بين المجاهرة أو النفاق بل توقير الكبير والرجل الصالح عبادة يتعبد بها لله ( ليس من لم يوقر كبيرنا ويرحم صغيرنا ويعرف لعالمنا قدره ) فترك الذنب أو ما يخرم المروءة حياء ممن يتحفظ من ذلك بقايا خير في الناس لا ينبغي محاربتها بل يقال له حياؤك هذا حسن واستحي من خالقك حياء أعظم واترك هذا البلاء بالكلية وما فعلته تقديراً لهذا الشخص انويه عبادة لله من أنك تعينه على صلاحه الذي تخلفت أنت عنه عسى الله بهذا أن يرفع عنك والمنافق لا يخلص.