لماذا كتب الإمام أحمد هذه الآيات في الرد على الجهمية؟
لماذا كتب الإمام أحمد هذه الآيات في الرد على الجهمية؟
من الموارد الجليلة لمعرفة عقيدة الإمام أحمد كتاب السنة للخلال، ومن نفائس ما أورده كتابٌ للإمام أحمد جمع فيه الإمام الآيات التي فيها رد على الجهمية.
قال الخلال في السنة: "1906- أخبرنا أبو بكر المروذي؛ قال: هذا ما احتج به أبو عبد الله على الجهمية في القرآن فذكر المروذي آيات كثيرة دون ما ذكر الخضر بن أحمد، عن عبد الله وقال: وفيه سمعت أبا عبد الله يقول في القرآن عليهم من الحجج في غير موضع يعني الجهمية.
1907- وأخبرنا الخضر بن أحمد بن المثنى الكندي؛ قال: سمعت عبد الله بن أحمد بن حنبل؛ قال: وجدت هذا الكتاب بخط أبي فيما يحتج به على الجهمية".
ثم ذكر الآيات التي فيها إثبات صفة الكلام لله عز وجل والرؤية والسمع والبصر وما يفسد عليهم استدلالهم بقوله تعالى {إنا جعلناه قرآنًا عربيًّا} وما يدل على أن أسماء الله غير مخلوقة.
غير أنه ذكر آيات ينبغي أن نقف عندها ونتساءل لماذا أوردها الإمام أحمد في سياق الرد على الجهمية مع آيات إثبات الكلام والسمع والبصر والعلم.
أورد الإمام قوله تعالى: {وقالت اليهود يد الله مغلولة غُلَّت أيديهم ولُعِنوا بما قالوا بل يداه مبسوطتان ينفق كيف يشاء} [المائدة]
وقوله تعالى: {كل من عليها فان * ويبقى وجه ربك ذو الجلال والإكرام} [الرحمن]
واضح أن الإمام يُثبِت لله عز وجل اليد والوجه، وكما أنه يأبى أشد الإباء إنكار صفة الكلام بتأويل أو حتى بتوقف (تفويض) فاليدان والوجه عنده من هذا الباب، بابها وباب العلم والسمع والبصر واحد، بدليل إيراده للآيات في هذه الصفات كلها في سياق واحد.
وأورد الخلال عن المروذي أثرًا طويلًا صحيحًا عن أحمد وفيه قول الإمام: "وفي هاتين الآيتين الرد على الجهمية {هل ينظرون إلا أن يأتيهم الله في ظلل من الغمام} {وجاء ربك والملك صفا صفا}".
تأمَّل إيراده آيات إثبات المجيء والإتيان في الرد على الجهمية كما أورد آيات الوجه واليدين، وهذا يستفاد منه الإثبات بشكل واضح، وأن الجهمية الأولى لا تختلف في هذه الأبواب عن متأخري الأشعرية.
وقال البخاري في كتاب التوحيد والرد على الجهمية: باب قول الله تعالى: {لما خلقت بيدي} [ص: 75]
وقال أيضًا في الكتاب نفسه: باب قول الله تعالى: {كل شيء هالك إلا وجهه} [القصص: 88]:
"7406 - حدثنا قتيبة بن سعيد، حدثنا حماد بن زيد، عن عمرو، عن جابر بن عبد الله، قال: لما نزلت هذه الآية: {قل هو القادر على أن يبعث عليكم عذابا من فوقكم} [الأنعام: 65]، قال النبي صلى الله عليه وسلم: «أعوذ بوجهك»، فقال: {أو من تحت أرجلكم} [الأنعام: 65]، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: «أعوذ بوجهك»، قال: {أو يلبسكم شيعا} [الأنعام: 65]، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: «هذا أيسر»".
أقول: قد كان السلف يستدلون بحديث "أعوذ بكلمات الله التامات" على إثبات صفة الكلام، فإيراد البخاري لخبر "أعوذ بوجهك" من الباب نفسه.
وقال الترمذي في جامعه: "وقد ذكر الله عز وجل في غير موضع من كتابه اليد والسمع والبصر، فتأولت الجهمية هذه الآيات ففسروها على غير ما فسر أهل العلم، وقالوا: إن الله لم يخلق آدم بيده، وقالوا: إن معنى اليد هاهنا القوة.
وقال إسحاق بن إبراهيم: إنما يكون التشبيه إذا قال: يد كيد، أو مثل يد، أو سمع كسمع، أو مثل سمع، فإذا قال: سمع كسمع، أو مثل سمع، فهذا التشبيه".
تأمَّل كلام أحمد والبخاري والترمذي تجده كله في سياق واحد، ومثله ما صنع ابن ماجه في سننه في باب ما أنكرت الجهمية.