كشّاف أبي جعفر

من السؤال إلى موضع الجواب

تخطَّ إلى المحتوى
كشّاف أبي جعفر
المقالات مقالة

أسباب وليست أعذارا..

المصدر
أسباب وليست أعذارا.. رأيت أن كثيرا من الناس يتعاطفون مع الكفار (الأصليين)، ويظنون أن الكفر المؤاخذ عليه عند الله هو الكفر الذي لم يساعد في حدوثه أي سبب، فكون المرء ولد في بيئة كافرة فذلك عذر حتمي. وينبغي الوقوف عند مثل هذا وعرضه على الوحي. مبدأيا حين نقول أن فلانا صار مجرما لأنه نشأ في بيئة تساعد على ذلك، وكان فقيرا وكان وكان... فهذا لا يلغي اللائمة عليه في أي نظام من الأنظمة سواء كانت شرعية أو وضعية، لأن غيره وقع تحت هذه الظروف ولم يصر مجرما. وهذا سر المسألة: الأسباب المؤثرة تقوي من وقوع بعض الاحتمالات ولكنها لا تجبر المرء ولا تلغي الاختيار الفردي. قال تعالى: {إنك إن تذرهم يضلوا عبادك ولا يلدوا إلا فاجرا كفارا}[نوح]. لماذا وصف نوح الابن المولود من أبوين كافرين بـ (الفاجر الكفار) مع أنه ورد في السنة أنه يولد على الفطرة وأبواه من يلقنانه الدين الفاسد؟ الجواب: أن وجود أبوين كافرين مجرد عامل مؤثر وليس إجبارا. كما أن إضلالهم لأهل الإيمان لا ينفي اللائمة على من ضل من المؤمنين، فهم ملومون ومن استجاب لهم ملوم كأمر إبليس. ولو كان أهل الإيمان معذورين بإضلال الكفار لهم لما تخوّف نوح من وجود الكفار وفي القرآن براءة المتبوعين من المقلدين على الكفر. قال النبي صلى الله عليه وسلم: «من دعا إلى هدى كان له من الأجر مثل أجور من تبعه لا ينقص ذلك من أجورهم شيئًا، ومن دعا إلى ضلالة كان عليه من الإثم مثل آثام من تبعه لا ينقص ذلك من آثامهم شيئًا». رواه مسلم. فداعية الهدى ممدوح والمستجيب له ممدوح أيضاً، وقد تم الأمر بعاملين: جهد الداعي، وإنصاف المدعو. والأمر نفسه في داعية الضلالة، هو مذموم والمستجيب له مذموم، والأمر تم بعاملين: دعوة الداعي، وقبول المدعو. إذا فهمت هذا تعلم أن جهاد الطلب وحد الردة وغيرها عوامل مؤثرة في الدعوة للإيمان ولكنها لا تلغي العامل الفردي، فالله لا يقبل إلا من قلب مخلص، ولكن تضييق أسباب الضلالة رحمة وإن كان المتأثر بها ليس معذورا. وسر المسألة: أنه لا يوجد إنسان تنفرد به أسباب الضلالة، بل لا بد من أسباب هدى من فطرة وعقل، وقد يبلغه الوحي أو بقايا منه. قال ابن تيمية في درء التعارض: "ولهذا كان جميع العقلاء السالمي الفطرة يحكمون بموجب هذه القضية الضرورية قبل أن يعلموا أن في الوجود من ينكرها ويخالفها، وأكثر الفطر السليمة إذا ذكر لهم قول النفاة بادروا إلى تجهيلهم وتكفيرهم، ومنهم من لا يصدق أن عاقلاً يقول ذلك، لظهور هذه القضية عندهم، واستقرارها في أنفسهم، فينسبون من خالفها إلى الجنون، حتى يروا ذلك في كتبهم أو يسمعوه من أحدهم. ولهذا تجد المنكر لهذه القضية يقر بها عند الضرورة، ولا يلتفت إلى ما اعتقدوه من المعارض لها. فالنفاة لعلو الله إذا حزب أحدهم شدة وجه قلبه إلى العلو يدعو الله". أقول: هنا الشيخ رفع مسألة العلو إلى رتبة الضروريات، وهذا يضيق باب العذر فيها، فالضرورات تبنى عليها المسائل النظرية، والتشكك فيها يدخل المرء في السفسطة. وقد استدل هنا بداعي الفطرة نحوا مما ورد في الآية {فإذا ركبوا فى الفلك دعوا الله مخلصين له الدين فلما نجىٰهم إلى البر إذا هم يشركون}[العنكبوت]. فإذا كان المشرك يوحد الله في الشدة فهذا يدل على أن التوحيد هو الفطرة عنده وهكذا أقام الحجة على نفسه. ذكرت هذا المثال لأن كثيرا من الناس يتكلمون في حق الكافر الأصلي بكلام حسن ثم ينقضونه إن تكلموا في منتسب للملة دون مراعاة لتفاوت المسائل ظهورا وخفاء، ومراعاة القرائن الدالة على الإدانة، حتى تحير كثيرون وظنوا أن بلوغ النصوص لا وزن له في عامة المسائل الكفرية إن كان الواقع منتسبا للملة، وإن كان مثله منسوبا للعلم حتى.