المقلد المجتهد
المقلد المجتهد
من الأمور التي تثير تعجبي أن أرى مقلِّدًا بنى تقليده على القول بانقطاع الاجتهاد ثم أجده يجتهد في الاستدلال لمشروعية المولد!
التمذهب بصورته المتأخرة يعني الالتزام بمشهور مذهب من المذاهب الأربعة وعدم الخروج عن ذلك.
والخروج عن ذلك لا يساوي خرق الإجماع أو تتبُّع الرخص كما يوهم كلام بعض أنصار التمذهب بصورته المتأخرة.
بل يعتبر مخالفًا للتمذهب من يخالف المشهور عند المتأخرين، وإن كانت هذه المخالفة اتباعًا لقول في المذهب أو حتى رواية عن إمام المذهب، فضلًا عمن يخالف مذهبه ليتبع مذهبًا آخر، ولو كان القول المخالف هو قول الجمهور، فضلًا عمن يتبع قولًا لصحابي أو تابعي أو مجتهد غير الأربعة، كل هذا يرادف الشذوذ عندهم واتباع قول المتأخر (المعتمد) هو أولى من كل ذلك. ولهم أن ينكروا على الآخرين وليس للآخرين أن ينكروا عليهم، وفعلهم هذا هو اتباع التراث والأئمة، والتراث عندهم (ما اشتهر) عند المتأخرين، ولا ينظرون في كتب الأوائل بحجة أن المتأخرين أغنوهم عن ذلك، وعامة محققي المتأخرين يأبون هذه الإطلاقات، ويقولون إنه وقع في كلام المتأخرين أغلاط وأمور أحدثت، وإنْ كان كلامهم ليس باطلًا كله، ولكن يرفض هذا التسليم لهم دون الرجوع لكلام المتقدمين.
وهذا كله مبني على القول بانقطاع الاجتهاد وقصورنا عن الأوائل، ثم تجد من سار على هذه المقدمة وهذه النتيجة يستدل لمشروعية المولد مع إقراره أن الأئمة المجتهدين لم يصنع أحدهم شيئًا من هذا، لذا لا يوجد أي متأخر ينسب جواز الاحتفال لإمام متبوع. فالمرء منكم يتقدَّم بين يدي الأئمة ويستدل لمشروعية شيء قام داعيه في زمانهم وما شرعوه وما استدلوا له.
فإذا كنت قادرًا على الاستدلال فهذا نوع اجتهاد. وأهون من الاجتهاد الذي لا أصل له في كلام الأئمة، أن تخالف مشهور المتأخرين وتتبع قول إمام مجتهد، سواء كان إمام مذهبك الأصل أو مذهب آخر أو مجتهد اتباع مذهبه جملةً انقرض ولكن مذاهبه مبثوثة في الكتب مع أدلتها. فالاجتهاد الذي فيه اتباع لمجتهد أيسر من الاجتهاد على غير خطى أي مجتهد. فتأمَّل كيف ادَّعوا العجز عن اليسير وتكلَّفوا أمر العسير، فإما ألا يجتهدوا في إباحة المولد والاستدلال له ويتركوا المعركة لأدعياء تيسير الاجتهاد، وإما أن يبيحوا لغيرهم مخالفة مشهور المذهب لدليل، خصوصًا إذا كانت هذه المخالفة اتباعًا لاجتهاد مجتهد معروف ومتَّفَق على اجتهاده، وليس في ذلك شبهة تتبع الرخص، فمعلوم أن التمذهب بمذهب ما لا يعني القطع بصواب كل ما فيه وإلا لما أجازوا لغيرهم التمذهب بمذاهب أخرى، وكذلك الاجتهاد في تجويز المولد ليس مقطوعًا بصوابه فهذا اجتهاد، والخروج عن المذهب اجتهاد، ولكن الفرق أن الخروج عن المذهب قد يكون في أحيان كثيرة اتباعًا لدليل ولاجتهادات مجتهدين غير إمام المذهب (بل قد يكون هذا الخروج رواية عن إمام المذهب نفسه، بخلاف الاجتهاد في إباحة المولد فهو قفزة في الفراغ بالنسبة للمقلد).