قال محمد بن سلام الجمحي في طبقات فحول الشعراء 76 - أخبرنى سعيد بن عبيد عن أبى عو
قال محمد بن سلام الجمحي في طبقات فحول الشعراء 76 - أخبرنى سعيد بن عبيد عن أبى عوانه أنه قال شهدت عامر بن عبد الملك يسأل قتادة عن أيام العرب وأنسابها وأحاديثها فاستحسنته
فعدت إليه فجعلت أسأله عن ذلك فقال مالك ولهذا دع هذا العلم لعامر وعد إلى شأنك
أقول : قتادة عالم مفسر لا يخلو كتاب تفسير مأثور من كلامه
وثقة في الحديث لا يخلو كتاب حديث من روايته
كما أنه فقيه وله فتاوى وروي أنه قال ما أفتيت برأيي من ثلاثين سنة وقد كان أكمها ولد أعمى فأورثه ذلك حافظة عجيبة
وكان مع هذا كله عالمًا بأيام العرب وأشعارهم
يعني أنه كان ( موسوعيا ) بالتعبير العصري ( والذي يتعقبه البعض لغويا )
ومع هذه الموسوعية نهى تلميذه أبا عوانة وهو محدث يسمع من قتادة الأحاديث والتفسير نهاه عن الاشتغال بأمر أيام العرب
فهل كان قتادة يريد أَن يحرم تلميذه من موسوعيته ؟
الجواب : لا بالطبع ولكنه رآه مشتغلا بالأعلى وهو الحديث والتفسير فكره أَن يشغله بالأدنى وهو أيام العرب ، نعم مثل قتادة في حافظته القوية وسعة علمه بالوحيين اتسع أيضا للعلم بأيام العرب
ولكن ذلك لا يناسب أبا عوانة إما لأنه لم يأخذ بحظه الكافي من علوم الوحيين واشتغاله بشيء عنهما قبل أخذ هذا الحظ مظنة مضيعة
وإما لأن عقله لا يناسب الاشتغال بأمور كثيرة في آن واحد أو أَن قتادة كره أَن يدخل على أهل الحديث الاشتغال بهذه الأمور فيحمله الفسل منهم قبل الشيخ فيدخله ذلك إما في عصبية أو مجون ( ففي أخبار الشعراء مجون كثير مع ما في أشعارهم من الحكمة ) وإما يدخلهم عليهم ألوانًا من فساد العقيدة كما حصل لكثير من المتأخرين
وأما الأديب المشتغل المتعمق مثل عامر بن عبد الملك فهذا يجاب على ما يسأل لئلا يجمع النظر في هذه الأمور مع عدم التحقيق ونشر الكذب
وفي هذا عبرة للمعلمين ولمن يتصدون للنشر للعامة فقد رأيت بعض طلبة العلم صار بوابة لكتب الأدب التي تحمل الغث والسمين عند المبتدئين والعامة مع قلة العناية بكتب المأثور وعلوم السلف والتي بطبيعة الحال سمعتها ليست بذاك عند الناس من ناحية تصور وعورتها وصعوبتها وقلة نفعها في العصر الحديث وكل ذلك دعاوى فاسدة
نقل الفائدة بعد الأخرى من هذه الكتب أمر هين من باب الملح والإجمام ولكن مع العناية بعلوم المتقدمين وجعلها الأصل بل ينقل من كلامهم ما كان على ميزان السلف وأما هذا الإفراط المشاهد وكثرة الحديث عن الأدباء شبه المعاصرين والتغزل ببيانهم وأساليبهم مع كونهم عندهم ما عندهم من إشكاليات عميقة وما نشاهده في العامة من قلة المعرفة بمهمات الدين وسهولة دخول الشبه عليهم في أي عنوان شرعي فهذا مسلك غير محمود البتة