كشّاف أبي جعفر

من السؤال إلى موضع الجواب

تخطَّ إلى المحتوى
كشّاف أبي جعفر
المقالات مقالة

هل أجاز الإمام أحمد التبرك بفضل طعام الرجل الصالح ؟

المصدر
هل أجاز الإمام أحمد التبرك بفضل طعام الرجل الصالح ؟ كنت قد شرحت عند حديثي على مسألة ( صدقت وبررت ) عند تثويب المؤذن أن هناك مسائل تذكر في كتب المتأخرين من المذهبيين ولا يكون لها أصل في كلام المتقدمين ولا كلام إمام المذهب بل ربما تجدهم هم يصرحون بأنهم أخذوها من كلام رجل من مذهب آخر ولو كان عندهم نص من الإمام أو متقدمي الأصحاب لذكروه وهنا سنتحدث عن مسألة التبرك بفضل طعام الرجل الصالح والتي رأيت البعض يدعي أن الإمام أحمد نص على جواز ذلك ! وسيأتي أن الأمر موجود في عدد من كتب متأخري الحنابلة مع تنصيصهم أنهم أخذوا الأمر من شرح النووي على مسلم وهو شافعي ! فلو كانوا وجدوا أصلاً للمسألة عن أي حنبلي لذكروه ! وقبل الدخول في المسألة لي مقال بعنوان بتر محمد الأزهري كلام ابن مفلح في التبرك في موضعين بينت فيه ضعف ما يستدل به عن أحمد في أمر التبرك فيما ذكر في شأن ابنه صالح وذكرت رواية عنه في النهي عن التبرك وهي رواية صحيحة قال الخلال: وأخبرنا على بن عبد الصمد الطَّيالسى, قال: مَسحتُ يدى على أحمد بن حنبل؛ ثم مسحتُ يدى على بَدنى وهو ينظر, فغضب غضبًا شديدًا؛ وجعل يَنفُض يَده, ويقول: عَمَّن أخذتم هذا؟ وأنكره إنكارا شديدًا. وهذه الرواية دعاة التبرك يحملونها على التواضع وهذا بعيد لأن الإمام يقول ( عمن أخذتم هذا ) وهذا يبين أن الأمر محدث لهذا هذه الرواية استدل بها العديد من الحنابلة على المنع من التبرك بالميت أو الحي ! جاء في كشاف القناع على متن الإقناع للبهوتي :" (والتحدث في أمر الدنيا كذا مسحه بيديه أو بشيء عليها تبركا) وقيل: بمنعه كالقبر وأولى. قال أبو المعالي: هو بدعة يخاف منه على الميت قال وهو قبيح في الحياة، فكذا بعد الموت، وفي الفصول: يكره قال: ولهذا منع أكثر العلماء من مس القبر، فكيف بالجسد؟ ولأنه بعد الموت كالحياة، ثم حال الحياة يكره أن يمس بدن الإنسان للاحترام وغيره سوى المصافحة وروى ابن الخلال في أخلاق أحمد: أن علي بن عبد الصمد الطيالسي مسح يده على أحمد، ثم مسحها على يديه، وهو ينظر فغضب شديدا، وجعل ينفض يده، ويقول عمن أخذتم هذا؟ وأنكره شديدا. " فهو هنا لا يحمل الرواية على التواضع بل يأخذ منها حكماً عاماً وفي مطالب أولي النهى للرحيباني :" (و) كره (مسحه بيده) على الجنازة، (أو) مسحه (بشيء عليها تبركا) ، لعدم وروده، قال أبو المعالي: هو بدعة يخاف منه على الميت، قال: وهو قبيح في الحياة فكذا بعد الموت، لما روى الخلال في أخلاق أحمد: أن علي بن عبد الصمد الطيالسي مسح يده على أحمد، ثم مسحها على يديه، وهو ينظر، فغضب شديدا، وجعل ينفض يده، ويقول: عمن أخذتم هذا؟ وأنكره." فتأمل قوله ( لعدم وروده ) ومعلوم أن العلماء قالوا ببدعية كثير من الأمور التي هي أحسن حالاً من التبرك كقول من قال ببدعية الصلاة على النبي عند الذبح وبدعية السجود على الحجر الأسود وبدعية التعريف في الأمصار وبدعية سجود الشكر فهذه أمور تنازع العلماء في مشروعيتها وقال معتبرون بالبدعية فما بالك بأمر لا يذكر عن عالم معتبر حتى أن أحمد يقول ( عمن أخذتم هذا ) وإنما ينتشر في المتأخرين وأقدم من رأيته مال لهذا من الحنابلة ابن هبيرة وما عزاه لأحمد وإنما استنبطه بالقياس على الرسول وهذا بعيد لكلمة أحمد وتأمل قول أبي المعالي أن التمسح بالرجل في الحياة قبيح فكيف بعد الموت ؟ وقال ابن قدامة في المغني :" فصل: ومس الجنازة بالأيدي والأكمام والمناديل محدث مكروه، ولا يؤمن معه فساد الميت، وقد منع العلماء مس القبر، فمس الجسد مع خوف الأذى أولى بالمنع" وما استثنى أمر التبرك والآن لنأتي لأمر التبرك بالطعام أقدم من ذكره من الأصحاب المرداوي في الإنصاف حيث ذكره في موضعين من الإنصاف فقال في باب الوليمة :" ويستحب للضيف أن يفضل شيئا، لاسيما إن كان ممن يتبرك بفضلته، أو كان ثم حاجة" وقال في باب في فوائد الطعام والشراب :" ولرب الطعام أن يخص بعض الضيفان بشيء طيب، إذا لم يتأذ غيره. ويستحب للضيف أن يفضل شيئا، لا سيما إن كان ممن يتبرك بفضلته، أو كان ثم حاجة" وقد ظن بعض المساكين أن هذا الكلام للإمام أحمد لأن قبله ذكر أثراً عن أحمد وهذا غلط فأثر أحمد هو وقال أبو بكر بن حماد: رأيت الإمام أحمد - رحمه الله - يأكل التمر، ويأخذ النوى على ظهر إصبعيه السبابة والوسطى. ورأيته يكره أن يجعل النوى مع التمر في شيء واحد. وهنا انتهى الأثر عن أحمد وبعده كلام المرداوي بدليل ما بعده حيث يقول : وظاهر كلام الإمام أحمد - رحمه الله -، والشيخ تقي الدين: أن الخبز لا يقبل، ولا بأس بالمناهدة. وهذا كلام المرداوي بوضوح والآن من أين جاء المرداوي بهذا الكلام وتبعه من تبعه من متأخري الحنابلة قل النووي في شرح صحيح مسلم : يستحب للآكل والشارب أن يفضل مما يأكل ويشرب فضلة ليواسي بها من بعده لاسيما إن كان ممن يتبرك بفضلته. = = فلاحظ أنه جاء بلفظ النووي لأنه لا يوجد أي حنبلي نص على هذا وغيره صرح بالأخذ من شرح النووي على مسلم ولو تأملت كلامهم في في التبرك بالمسح وأنه لم يرد لرأيته منطبقاً على موضوع الفضلة من الطعام المبني على قياس النبي صلى الله عليه وسلم على غيره وهذا رفضه أحمد في أصح الروايات في أمر المسح فكذلك يكون في أمر الطعام وقد يقول قائل : الحنابلة أعلم بمذهبهم ؟ فيقال : لو قلنا ابن تيمية أعلم من كل هؤلاء بمذهب أحمد لما كان بعيداً مع اعترافهم له بالاجتهاد وواضح أنهم ما وجدوا نصوصاً للإمام ولا أصحابه حتى جاءوا بكلام بعض الشافعية ومعروف كلام الشاطبي وهو مالكي أشعري في الاعتصام حيث يقول :" إلا أنه عارضنا في ذلك أصل مقطوع به في متنه، مشكل في تنزيله، وهو أن الصحابة رضي الله عنهم ـ بعد موته عليه السلام ـ لم يقع من أحد منهم شيء من ذلك بالنسبة إلى من خلفه، إذ لم يترك النبي صلى الله عليه وسلم بعده في الأمة أفضل من أبي بكر الصديق (رضي الله عنه)، فهو كان خليفته، ولم يفعل به شيء من ذلك، ولا عمر (رضي الله عنهما)، وهو كان في الأمة بعده، ثم كذلك عثمان، ثم علي، ثم سائر الصحابة الذين لا أحد أفضل منهم في الأمة، ثم لم يثبت لواحد منهم من طريق صحيح معروف أن متبركا تبرك به على أحد تلك الوجوه أو نحوها، بل اقتصروا فيهم على الاقتداء بالأفعال والأقوال والسير التي اتبعوا فيها النبي صلى الله عليه وسلم، فهو إذا إجماع منهم على ترك تلك الأشياء كلها" وكلمة الشاطبي هذه تلتقي مع كلمة أحمد التي أقل ما يقال فيها أنها رواية في المذهب ( عمن أخذتم هذا ) وهذا وضع الجريد على القبر الذي صح عن رسول الله صلى الله عليه وسلم وصح عن بريدة أنه فعله وأنا أرى جوازه ولكن بعض المشهورين منعوا ورأوا الخصوصية للنبي صلى الله عليه وسلم ( مع ثبوت ذلك عن صحابي ) وقال ابن الحاج في المدخل: [فالجواب عن قوله عليه الصلاة والسلام: (لعله يخفف عنهما ما لم ييبسا) راجع إلى بركة ما وقع من لمسه عليه الصلاة والسلام لتلك الجريدة وقد نص على ذلك الإمام الطرطوشي رحمه الله في كتاب " سراج الملوك " له، لمَّا ذكر هذا الحديث فقال عقبه: وذلك لبركة يده عليه الصلاة والسلام وما نقل عن واحد من الصحابة رضي الله عنهم فلم يصحبه عمل باقيهم رضي الله عنهم إذ لو فهموا ذلك لبادروا بأجمعهم إليه ولكان يقتضي أن يكون الدفن في البساتين مستحباً] فما بالك بأخذ فضل الطعام وفضل الوضوء مما لم يرد في القرون الأولى أنهم فعلوه مع معظم قط غير النبي صلى الله عليه وسلم وهذا ابن الحاج المالكي الأشعري المعاصر لابن تيمية والمتقدم على المرداوي يقول في المدخل :" ويحذرهم من تلك البدع التي أحدثت هناك فترى من لا علم عنده يطوف بالقبر الشريف كما يطوف بالكعبة الحرام ويتمسح به ويقبله ويلقون عليه مناديلهم وثيابهم يقصدون به التبرك، وذلك كله من البدع؛ لأن التبرك إنما يكون بالاتباع له - عليه الصلاة والسلام - وما كان سبب عبادة الجاهلية للأصنام إلا من هذا الباب " ومعلوم أن أعيان الصالحين يفتتن بهم فيتبرك بالتمسح بقبورهم بعد وفاتهم إذا اعتاد الناس على التبرك بهم في حياتهم بتبرك ممنوع فلينتبه لهذا وبقيت مسألة وهي ما يذكرها بعض الحنابلة ( ونقلها من الشافعية أيضاً ) أنه يستحب الدفن في المقبرة التي أكثر أهلها صالحون وشهداء قال ابن قدامة في المغني :" (1596) فصل: ويستحب الدفن في المقبرة التي يكثر فيها الصالحون والشهداء؛ لتناله بركتهم، وكذلك في البقاع الشريفة. وقد روى البخاري ومسلم بإسنادهما «أن موسى - عليه السلام - لما حضره الموت سأل الله تعالى أن يدنيه إلى الأرض المقدسة رمية بحجر، قال النبي - صلى الله عليه وسلم -: لو كنت ثم لأريتكم قبره عند الكثيب الأحمر." أقول : وهذه أيضاً من فروع المتأخرين التي لا أصل لها في كلام الأئمة واستدلال ابن قدامة الذي ذكره خاص في البقاع الشريفة فإنه سأل الله أن يدنيه من الأرض المقدسة وهذا معناه أنه لو مات بعيداً عنها لدفن في المكان الذي مات فيه على عادة الأنبياء دون تكلف نقله إلى الأرض المقدسة ولكن أين الدليل من الكتاب أو السنة أو حتى نصوص الإمام على مسألة الدفن في المكان الذي فيه صالحون وشهداء وفي العادة المحلة تكون فيها مقبرة واحدة وتحري أن تنقل الميت إلى مكان فيه شهداء وصالحون يقتضي تأخير الدفن ونقل الميت وكلاهما مكروه بنصوص الأئمة وقد نبه على هذا المعنى الشافعية أصحاب المسألة الأصل. = = جاء في كفاية النبيه شرح التنبيه لابن الرفعة :" وكذا الأفضل أن يدفن بين أقوام صالحين؛ لأن أبا سعيد ذكر في كتابه "المؤتلف والمختلف" عن [ابن الحنفية] عن عليِّ - كرم الله وجهه- قال: أمرنا رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أن ندفن موتانا [وسط قوم صالحين]؛ فإن الموتى يتأذون بالجار السوء كما يتأذى به الأحياء، وهذا إذا كانوا في مقبرة البلد الذي مات فيه، فلو كانوا في غيرها لا ينقل إليهم؛ لأن فيه تأخير الدفن. وفي "الحاوي" أن الشافعي قال- يعني في "الأم"-: ولا أحب إذا مات الميت في بلد أن ينقل إلى غيره، وخاصة إن كان قد مات بمكة أو المدينة أو بيت المقدس. [ثم قال الماوردي: نعم، لو كان بقرب مكة أو المدينة أو بيت المقدس] فيختار أن ينقل إليها؛ لقوله- عليه السلام-: "من دفن بالمدينة كنت له شاهداً وله شافعاً، ومن مات بمكة فكأنما مات في سماء الدنيا"، والجمهور على منع النقل كما تقدم، لكن قال صاحب "التهذيب" و"الشامل" والبندنيجي: إنه يكره نقله، وقال القاضي الحسين وأبو الفرج الدارمي وصاحب "التتمة": يحرم نقله" والحديث الذي ذكره حديث منكر ومع القول بحرمة النقل أو كراهيته يصير مثل هذا الفرع غير ممكن التطبيق فإما يدفن في مقبرة المحلة بصالحيها وطالحيها وأما النقل فلا ينبغي وقد كان قديماً هناك مقابر لكل مذهب ويدفن فيه أهل ذاك المذهب جميعاً علماً أنه قد لا يستبعد أفضلية مجاورة الصالحين فإن هذا من جنس مجاورتهم أحياء وفي مجاورتهم خير ولكن المعول على العمل وعلى ما ثبت فيه دليل وبقيت مسألة أن مصطلح ( الولي ) و ( الشهيد ) إنما يكون على غلبة الظن فيما نرى وإلا فنحن لا ندري ما في البواطن ولهذا بوب البخاري ( لا يقال فلان شهيد ) وكان السلف يقولون الحي لا تؤمن عليه الفتنة وهذه الأحوال مع الأحياء من تعظيمهم والتبرك من الفتنة جاء في سير أعلام النبلاء :" وقال أبو هشام الرفاعي: قال أبو بكر بن عياش للحسن بن الحسن بالمدينة: ما أبقت الفتنة منك? فقال: وأي فتنة رأيتني فيها? قال: رأيتهم يقبلون يدك ولا تمنعهم" قال ابن أبي شيبة في المصنف 26839- حدثنا يزيد بن هارون ، عن العوام ، عن حبيب بن أبي ثابت قال : تبع ابن مسعود ناس فجعلوا يمشون خلفه فقال : ألكم حاجة ؟ قالوا : لا ، قال : ارجعوا فإنها ذلة للتابع فتنة للمتبوع. 26840- حدثنا ابن إدريس ، عن هارون بن عنترة ، عن سليم بن حنظلة قال : أتينا أبي بن كعب لنتحدث عنده ، فلما قام قمنا نمشي معه ، فلحقه عمر فرفع عليه الدرة فقال : يا أمير المؤمنين ، اعلم ما تصنع ؟ قال : إنما ترى فتنة للمتبوع ذلة للتابع. فإذا كان هذا حال السلف مع تقبيل الأيدي وهو أمر هين ومع المشي خلف الرجل وهو أمر هين ويرون ذلك فتنة ! فما بالك بالتمسح بالرجل وأن نقول له يستحب لك أن تترك شيئاً من طعامك ليتبرك به الناس ! شتان شتان بين أحوال الأوائل وأحوال المتأخرين إلا من تبع الأوائل حقاً ( ثلة من الأولين وقليل من الآخرين ) وقال ابن سعد في الطبقات 10353 - أخبرنا محمد بن عبد الله الأنصاري، قال: حدثنا ابن عون، قال: كنا عند إبراهيم, فجاء رجل, فقال: يا أبا عمران, ادع الله أن يشفيني, فرأيت أنه كرهه كراهية شديدة, حتى رأيتنا عرفنا كراهية ذلك في وجهه, أو حتى عرفت كراهية ذلك في وجهه, ثم قال: جاء رجل إلى حذيفة, فقال: ادع الله أن يغفر لي. قال: لا غفر الله لك, قال: فتنحى الرجل ناحية, فجلس, فلما كان بعد ذلك قال: أدخلك الله مدخل حذيفة, أقد رضيت الآن؟ قال: ويأتي أحدكم الرجل كأنه قد أحصى شأنه، كأنه كأنه، فذكر إبراهيم السنة, فرغب فيها وذكر ما أحدث الناس فكرهه, وقال فيه. فهذا إبراهيم النخعي يكره مجرد ذهابك لرجل تظن فيه الصلاح والولاية وتسأله الدعاء ويذكر ذلك عن حذيفة وكان ابن تيمية يقول إنما تنتفي الكراهة إذا كان قصدك التذكير والتكثر بأخيك دون اعتقاد خاص فيه ( هذا معنى تقريره ) مع أن هذا قد يدخله إحسان الظن بهذا الرجل لما يظهر من صلاحه ومع ذلك سدوا الذريعة وشددوا وغضبوا فكيف بالتمسح به حياً وميتاً والتبرك بفضلة طعامه ! ولاحظ غضب حذيفة الشديد وغضب إبراهيم الشديد وغضب أحمد الشديد لما تمسحوا به وغضب عمر من اتباعهم لأبي بن كعب تعجب من عظمة هؤلاء الصالحين وأنهم لا يطلبون بالعلم جاهاً.