كشّاف أبي جعفر

من السؤال إلى موضع الجواب

تخطَّ إلى المحتوى
كشّاف أبي جعفر
المقالات مقالة

قصف التوحيد (القصف الأعظم)...

المصدر
قصف التوحيد (القصف الأعظم)... قال تعالى: {حنفاء لله غير مشركين به ومن يشرك بالله فكأنما خر من السماء فتخطفه الطير أو تهوي به الريح في مكان سحيق} [الحج: ٣١]. قال الطبري في تفسيره: "يقول تعالى ذكره: اجتنبوا أيها الناس عبادة الأوثان، وقول الشرك، مستقيمين لله على إخلاص التوحيد له، وإفراد الطاعة والعبادة له خالصا دون الأوثان والأصنام، غير مشركين به شيئا من دونه، فإنه من يشرك بالله شيئا من دونه، فمثله في بعده من الهدى وإصابة الحق وهلاكه وذهابه عن ربه، مثل من خر من السماء فتخطفه الطير فهلك، أو هوت به الريح في مكان سحيق، يعني من بعيد، من قولهم: أبعده الله وأسحقه، وفيه لغتان: أسحقته الريح وسحقته، ومنه قيل للنخلة الطويلة: نخلة سحوق; ومنه قول الشاعر: كانت لنا جارة فأزعجها ... قاذورة تسحق النوى قدما ويروى: تسحق: يقول: فهكذا مثل المشرك بالله في بعده من ربه ومن إصابه الحق، كبعد هذا الواقع من السماء إلى الأرض، أو كهلاك من اختطفته الطير منهم في الهواء". فأقول تجاوباً مع هذا المثل المضروب في كتاب الله عز وجل: أما إن الإنسان إذا قصف توحيده أو قصفت عقيدته فذلك أعظم من أن يقصف بالنووي. فكل بلاء الدنيا هين أشد الهوان أمام عذاب جهنم. فالشرك من عبادة غير الله واعتقاد أن الأئمة يتصرفون في الكون أو اعتقاد ما يقوله الكهان والذهاب لهم وتصديقهم في أخبار الحروب والنصر ونحوها، كل ذلك أعظم من القتل. قال تعالى: {والفتنة أشد من القتل} [البقرة: ١٩١]، يعني الشرك أعظم من القتل. قال ابن أبي حاتم في تفسيره: "1726- حدثنا عصام بن رواد، ثنا آدم، عن أبي جعفر، عن الربيع، عن أبي العالية، قوله: {والفتنة أشد من القتل} [البقرة: 191] يقول: «الشرك أشد من القتل» وروي عن مجاهد، وسعيد بن جبير، وعكرمة، والحسن، وأبي مالك، وقتادة، والضحاك، والربيع بن أنس نحو ذلك". فالمرء قد يُقتل في سبيل الله فيكون ذلك باباً لدخوله الجنة، أما الشرك فلو عاش المرء منعماً أحسن النعيم وفي الأمان فعذاب الجحيم بعدها يجعلها استدراجاً مهلكاً. قال تعالى: {أفرأيت إن متعناهم سنين، ثم جاءهم ما كانوا يوعدون، ما أغنى عنهم ما كانوا يمتعون} [الشعراء: ٢٠٥، ٢٠٧]. وقال البخاري في صحيحه: "16- حدثنا محمد بن المثنى، قال: حدثنا عبد الوهاب الثقفي، قال: حدثنا أيوب، عن أبي قلابة، عن أنس بن مالك رضي الله عنه، عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "ثلاث من كن فيه وجد حلاوة الإيمان: أن يكون الله ورسوله أحب إليه مما سواهما، وأن يحب المرء لا يحبه إلا لله، وأن يكره أن يعود في الكفر كما يكره أن يقذف في النار". فكذلك المؤمن يكره أن يقع في الشرك أو يقترب منه كما يكره أن يقع القصف عليه وعلى ذريته أو أشد. قال ابن القيم في «مفتاح دار السعادة» [2/13]: "والمقصود أن خواص الأمة ولبابها لما شهدت عقولهم حسن هذا الدين وجلالته وكماله وشهدت قبح ما خالفه ونقصه ورداءته خالط الإيمان به ومحبته بشاشة قلوبهم فلو خير بين أن يلقى في النار وبين أن يختار دينا غيره لاختار أن يقذف في النار وتقطع أعضاؤه ولا يختار دينا غيره وهذا الضرب من الناس هم الذين استقرت أقدامهم في الإيمان وهم أبعد الناس عن الارتداد عنه وأحقهم بالثبات عليه إلى يوم لقاء الله". وإن مما ساءني أن رأيت أقواماً القصف يقع عليهم ويصيحون يا حسين يا علي يا أبا الفضل، وقد كان المشركون يدعون الله وحده في الملمات، وهؤلاء يدعون غير الله في أشد الملمات، ووالله إن هذا أضر عليهم من القصف نفسه. {فإذا ركبوا في الفلك دعوا الله مخلصين له الدين فلما نجاهم إلى البر إذا هم يشركون} [العنكبوت: ٦٥]. وكذلك من ينشر الشرك في المسلمين شر عليهم ممن يقصفهم.