كشّاف أبي جعفر

من السؤال إلى موضع الجواب

تخطَّ إلى المحتوى
كشّاف أبي جعفر
المقالات مقالة

متى تسقط القوامة؟

المصدر
متى تسقط القوامة؟ كان قد أرسل لي أحد الأخوة قبل عامين أو ثلاثة مقطعاً لرجل على قناة روتانا ينسب للفقهاء أنهم يقولون بأن الرجل إذا لم ينفق على الزوجة تسقط قوامته ويريد أنها تبقى زوجةً له ولكنها لا تطيعه في القرار في البيت بل تخرج وتكتسب. ومثل هذا قد يستدل بما في كتب عدد من متأخري الشافعية والحنابلة كقول الشيرازي في المهذب: "وإن اختارت المقام بعد الإعسار لم يلزمها التمكين من الاستمتاع ولها أن تخرج من منزله لأن التمكين في مقابلة النفقة فلا يجب مع عدمها وإن اختارت المقام معه على الإعسار ثم عن لها أن تفسخ فلها أن تفسخ لأن النفقة يتجدد وجوبها في كل يوم فيتجدد حق الفسخ وإن تزوجت بفقير مع العلم بحاله ثم أعسر بالنفقة فلها أن تفسخ لأن حق الفسخ يتجدد بالإعسار بتجدد النفقة". وكمثل قول ابن قدامة المقدسي في المغني: "(6478) فصل: إذا رضيت بالمقام مع ذلك، لم يلزمها التمكين من الاستمتاع؛ لأنه لم يسلم إليها عوضه، فلم يلزمها تسليمه، كما لو أعسر المشتري بثمن المبيع، لم يجب تسليمه إليه، وعليه تخلية سبيلها، لتكتسب لها، وتحصل ما تنفقه على نفسها؛ لأن في حبسها بغير نفقة إضرارا بها". وقد فهم كثيرون من هذا الكلام أن الرجل إذا لم يوفر للمرأة ما تريد فلها الفسخ على كلام هؤلاء الفقهاء أو لها البقاء على ذمته ولكن تذهب لبيت أهلها أو لا تمكنه من نفسها أو حتى تكتسب. واليوم نحن في زمان الهوس الاستهلاكي الرأسمالي كثير من التحسينات نزلت منزلة الضروريات، فصار العرف هو التبذير والله المستعان، وسأذكر من كلام هؤلاء الفقهاء المتأخرين أنفسهم بيان المقدار الذي معه عندهم يحق لها الفسخ أو عدم الطاعة ولا تكون ناشزاً. جاء في المغني والكافي وغيرها من كتب الحنابلة: "ومن لم يجد إلا قوت يوم بيوم، فليس بمعسر بالنفقة؛ لأن هذا هو الواجب. وإن كان يجد في أول النهار ما يغديها، وفي آخره ما يعشيها، فلا خيار لها". وهذا أحد الوجوه عند الشافعية فما بالك بمن يوفر لها ثلاث وجبات فهذا لا تسقط قوامته أبداً. والواقع أن هذا فقط في كلام المتأخرين وأخذه الحنابلة من الشافعية، فإن ابن قدامة قام بحنبلة بعض كتب الشافعية ويبدو له أنه كان ينتفع كثيراً بالبيان للعمراني وينقل منها بعض الفروع ويتبعه الحنابلة الآخرون، وما وجدت هذا الفرع في كلام المتقدمين. بل كلام المتقدمين ليس فيه إلا الفسخ، بمعنى إما زوجية بكل الحقوق والواجبات وإما طلاق، وأما زواج تكون فيه المرأة زوجة ولكن لا ولاية له عليها فهذا ما وجدته في كلام المتقدمين، والذي يرجع لكتب الشافعية القائلين بذلك يجد بينهم خلافاً شديداً في تفاصيل الأمر حتى أن بعضهم ذكر أنه يجوز لها الخروج في النهار دون الليل أو يجوز لها الخروج في وقت الخيار له وهو ثلاثة أيام. والواقع أن مذهب المتقدمين هو الأقوم، لأن الاكتساب الواجب ليس من شأن النساء خصوصاً من كان الأصل فيهن القرار في البيوت، ولا فائدة ترجى من منع التمكين من النفس إذا كان إعساره اضطرارياً -وإلا فالبخيل يُلزَم بالنفقة قضائيا- سوى فتنة الطرفين، فإما أن تبقى معه بالمعروف على الحقوق المعلومة أو تفارقه وتذهب إلى أهلها وأوليائها وتتزوج بآخر بعد انقضاء العدة أو تكون في صيانة أهلها، وأما بقاؤها معه على معصية أمره بالمعروف في التمكين من النفس فهذا يوجب البغضاء، وقياسه على سقوط نفقتها بالامتناع قياس مع الفارق، فنحن نتكلم عن رجل أعسر اضطراراً وليس مختاراً ولو أنها عجزت عن التمكين من نفسها لمرض لاستأنس كثير من أهل العصر لديمومة النفقة لأنها مضطرة للامتناع، ثم ألا تراه ينفق عليها في حال الطلاق، وأما المنع من الخروج فهذا حق توجبه الغيرة إلا إذا كانت تكتسب كسباً مباحاً اضطروا إليه فهذا لا يمنع منه في العادة ولكنه يصحبها محرماً، وأما إباحة الخروج والدخول لها مطلقاً فهذا أمرٌ لا يجري على أصول الشريعة وتجاوزٌ لحدود الضرورة. وسأذكر فيما يلي فروع الفقهاء التي يذكرون فيها حق الزوجة في الطلاق أو الفسخ، والتي جعلها بعض المتأخرين حقاً في إسقاط القوامة مع بقاء الزواج وهذا لا قائل به من المتقدمين بهذا التفصيل، وأخذه بعض المعاصرين وجعله أصلاً في إسقاط القوامة وإن كان الرجل يوفر الأساسيات الكبرى ولكنه قصر في بعض الأمور وهذا ما لم يقل به أحد قط. الفرع الأول: إذا لم ينفق النفقة الواجبة: جاء في الإشراف على مسائل الخلاف للبغدادي: "مسألة: إذا أعسر بالنفقة ثبت لها المطالبة بالفراق، خلافاً لأبي حنيفة؛ لقوله تعالى: "وعاشروهن بالمعروف"، وقوله تعالى: "فإمسأك بمعروف أو تسريح بإحسان"، وقوله صلى الله عليه وسلم: «تقول امرأتك أنفق علي أو طلقني» وهذا إخبار عما لها أن تفعله، ولأن النفقة في مقابلة الاستمتاع، فلمّا كان إذا نشزت لا نفقة لها بمنع الاستمتاع، فكذلك إذا لم يجد النفقة من جهته فلها مفارقته، ولأنه لما كان لها مفارقته في الإيلاء والعنة وضررهما أيسر من ضرورة عدم النفقة، فكان في عدم النفقة أولى". = = فهنا قولان فيمن أعسر، قول من يقول ليس لها المطالبة، وقول من يقول لها المطالبة بالفراق، ولا يوجد قول ثالث أنها تقيم معه على النشوز عن أمره! بل إنها إذا اختارت المقام معه على فقره فإن قوامته عليها كما هي، وإنما يتكلم الفقهاء بأن لها الحق بالمطالبة فإن لم تطالب بقيت معه على الزوجية بكل حقوقها وواجباتها، هذا في المعسر وأما البخيل القادر فهذا تأخذ من ماله ما يكفيها ويُلزِمه القاضي بهذا. قال الشافعي في الأم: "وإذا أعسر بنفقة المرأة فأجل ثلاثا ثم خيرت فاختارت المقام معه فمتى شاءت أجل أيضا ثم كان لها فراقه لأن اختيارها المقام معه عفو عما مضى فعفوها فيه جائز وعفوها غير جائز عما استقبل فلا يجوز عفوها عما لم يجب لها وهي كالمرأة تنكح الرجل تراه معسرا لأنها قد تعفو ذلك ثم يوسر بعد عسرته فينفق عليها". فلاحظ أنه لا يوجد سوى خيار الفرقة أو المقام معه على الزوجية. الفرع الثاني: المرأة والرجل يكونان عبدين فتعتق المرأة ويبقى الرجل عبداً فيكون لها خيار مفارقته: قال ابن قدامة في المغني: "(5515) مسألة؛ قال: وإذا عتقت الأمة، وزوجها عبد، فلها الخيار في فسخ النكاح. أجمع أهل العلم على هذا، ذكره ابن المنذر، وابن عبد البر، وغيرهما والأصل فيه خبر بريرة، قالت عائشة: «كاتبت بريرة، فخيرها رسول الله - صلى الله عليه وسلم - في زوجها، وكان عبدا، فاختارت نفسها.» قال عروة: ولو كان حراما ما خيرها رسول الله - صلى الله عليه وسلم -. رواه مالك، في " الموطأ "، وأبو داود، والنسائي.، ولأن عليها ضررا في كونها حرة تحت عبد، فكان لها الخيار كما لو تزوج حرة على أنه حر، فبان عبدا، فإن اختارت الفسخ فلها فراقه، وإن رضيت المقام معه لم يكن لها فراقه بعد ذلك؛ لأنها أسقطت حقها. وهذا مما لا خلاف فيه بحمد الله تعالى". لاحظ أن لها حق الفسخ وإذا اختارت المقام معه فلا حق لها بعد ذلك، وهذا معناه أن القوامة تعود له ويصير الطلاق بيده هو، وما ذكروا خياراً ثالثاً أن تبقى معه على غير القوامة فقط زوج بلا أمر أو نهي. الفرع الثالث: المرأة تشترط على الرجل شرطاً فلا يفي به: فهنا في قول عدد من الفقهاء لها الفسخ فإن لم تفسخ ثبت حق الزوجية، جاء في كفاية النبيه شرح التنبيه: "وكذا لو أثبتنا لها حق الفسخ، فلم تفسخ، لكن يجب عليها أن تأوي إلى المنزل ليلاً، وله أن يستمتع بها في الليل؛ لأنه زمن الفرغة". وهذا الكلام في حق المحبوس بدين! وهو يثبت في حق كل امرأة لها حق الفسخ فلم تفسخ فإن الزواج يعود على حقوقه بينهما كما هي. والفسخ يتم قضائياً على ما فصَّل الفقهاء. الفرع الرابع: من جعل أمر زوجته بيدها: وهو الرجل يجعل أمر زوجته بيدها أو يقول لها اختاري فتختاره ولا تطلق نفسها مع أنها لها الحق بذلك فإذا طلقت نفسها انتهى الزواج ودخلت في العدة وأما إن اختارته فعلى الصحيح لا يكون طلاقاً وتعود في الزوجية لا خيار لها بعد ذلك نهائياً حتى يخيرها مرة أخرى. وهذا فرع فقهي مشهور في حديث في الصحيح لذا لا أطيل الكلام عليه. فإن قيل: أليس إسقاط بعض حقوق الرجل أولى من هدم المؤسسة الزوجية من أساسها؟ فيقال: المؤسسة الزوجية القوامة ركنها الأعظم فإذا سقطت ذهب الزواج أصلاً، ثم إن القوامة لا تعني الأوامر المطلقة بل الأمر مقيد بالمعروف، وأنت كلما أضعفت القوامة انتهيت إلى هدم المؤسسة الزوجية، وتأمل حالات الطلاق الكثيرة لما أُضعِفت القوامة قانونياً. ليس أحد الجنسين ملكاً ولا أحدهما شيطاناً، الطاعة قُيِّدت بالمعروف، وكل جنس جائز عليه أن يظلم الآخر في حقه وهناك وسائل شرعية للتعامل مع الأمر، ولكن لما طغت عقدة المظلومية وأيديلوجيا الضحية صار الخطاب الشرعي المتزن منفِّراً للبعض. وفي النهاية، منظومة الزواج ليست عالماً وردياً، بل فيها غنم وغرم، وكل فرد عليه حقوق وله واجبات على ما قسم الله العليم بكل شيء سبحانه، وشيطنة جنس في مقابل جنس آخر هو الذي أدى إلى شيطنة منظومة القوامة من أصلها، والكل يرى اليوم سوء قوانين الأسرة وأنها شجعت على الطلاق، فخيار الفسخ الذي يتكلم عنه الفقهاء هو وفقًا لشروطهم وقيودهم لا التلاعب المعاصر المشين. واليوم الحماس لنشر هذا الفرع الفقهي لأن المؤسسة الرأسمالية تريد خروج النساء للعمل بشكل منظم، وعامة الأعمال لا تراعى فيها الشروط الشرعية -التي يقولها بعض المشترطين مع عدم النظر للواقع الرأسمالي العام- وفيها من الفتن الشيء العظيم، وقد قالت أم المؤمنين: (لو أدرك رسول الله ما أحدثت النساء لمنعهن من الخروج للمساجد) فما بالك بالحال اليوم؟.