كشّاف أبي جعفر

من السؤال إلى موضع الجواب

تخطَّ إلى المحتوى
كشّاف أبي جعفر
المقالات مقالة

=

المصدر
= قال السنوسي في: (شرح أم البراهين ص 86) : "وأما العامة فأكثرهم ممن لا يعتني بحضور مجالس العلماء، ومخالطة أهل الخير، يتحقق منهم اعتقاد التجسيم والجهة، وتأثير الطبيعة –القول بالأسباب–، وكون أفعال الله تعالى معللة لغرض، وكون كلامه جل وعلا حرفًا وصوتًا، ومرة يتكلم ومرة يسكت، كسائر البشر، ونحو ذلك من اعتقادات أهل الباطل، وبعض اعتقاداتهم أجمع العلماء على كفر معتقدها". اهـ أقول: خلاصة هذه الاعترافات كلها أن عقيدتهم لا يعتقدها جماهير عوام الناس، وبالتالي المجاهدون في كل زمان غالبهم ليسوا على عقيدتهم المنحرفة إذ عامتهم من عوام الناس. وتنبيه: الأصل في أي إنسان في الأمة أنه على غير هذه العقيدة حتى يخطَّ ببنانه ما يوافقها، حتى أن بعض من ينسبونه للأشعرية تجده يثبت العلو في تصانيفه أو يقر من يثبت كالخطابي وابن الصلاح وغيرهم. والعجيب الْيَوْم بعض المساكين عكسوا المسألة وجعلوا التشنيع على هذا القول الكلامي تشنيعًا على عوام المسلمين! وأن قائله سينتهي بتكفير نفسه! أو سينتهي إلى استحلال دماء المسلمين.. إلى آخر تلك الخرافات التي تُضحك الثكلى وتبيِّن لك المستوى العلمي والعقلي لهؤلاء، فما علاقة ذم منكر العلو والقائل بخلق القرآن بهذه النتائج! والتكفير لا يُذمُّ لذاته ولكن المذموم صنيع أهل الكلام إذ يأتون لمن يُؤْمِن بظواهر النصوص والفطرة ويقولون بأنه وقع في الكفر وأحسنهم طريقة من يقول: هو معفوٌّ عنه لجهله. وبعضهم يذكر في أمجاد الأمة العلماء التجريبيين، ومع اعتراضي الشديد على هذا المعيار إلا أنه أيضا لا يفيد أهل الكلام. فالتجريبيون المشاهير المتكلَّم في عقائدهم مثل ابن سينا والرازي وجابر بن حيان وابن رشد ما كانوا أشاعرة اتفاقًا، بل هذا الأخير يكفِّرهم. وأما التجريبيون المشاهير الذين لم يتكلم الناس في عقائدهم كالبيروني والخوارزمي وابن النفيس والزهراوي وابن البيطار وغيرهم كثير فما كانوا أشاعرة ولا معتزلة. وبعضهم يذكر الأولياء أصحاب الكرامات ويحبهم، وهذا كتاب كرامات الأولياء للالكائي وحلية الأولياء لأبي نعيم ذكروا الكثير جدًّا من الأولياء ما فيهم متكلم واحد لا أشعري ولا معتزلي، وهذا السلمي صاحب طبقات الصوفية كان يلعن الكلابية (أسلاف الأشعرية). وقال ابن تيمية في الاستقامة: "وكذلك حدثني الشيخ أبو الحسن بن غانم أنه سمع خاله الشيخ إبراهيم بن عبد الله الأرومي أنه كان له معلم يُقرئه، وأنه أقرأه اعتقاد الأشعرية المتأخرين، قال فكنت أكرر عليه فسمع والذي والشيخ عبد الله الارميني قال فقال ما هذا يا إبراهيم فقلت هذا علمنيه الأستاذ فقال يا إبراهيم اترك هذا فقد طُفت الأرض واجتمعت بكذا وكذا ولي لله فلم أجد أحدًا منهم على هذا الاعتقاد، وإنما وجدته على اعتقاد هؤلاء وأشار إلى جيرانه أهل الحديث والسنة من المقادسة الصالحين إذ ذاك". أقول: فعامة المجاهدين وعامة الناس وعامة الأولياء وعامة التجريبيين ليسوا منهم، وعقيدتهم ليست عقيدة الصحابة ولا الأئمة المتبوعين في الفقه والحنابلة طرا ليسوا على عقيدتهم إلا شيئًا يسيرًا، والحنابلة ينسبون لإمامهم التكفير بمقالة الأشعرية أو التضليل بها، بيْد أن متأخري الأشعرية لا ينبل منهم أحد إلا باتباع إمام مشهور في الفقه من أهل الحديث أو حتى أهل الرأي، ولا يجرؤ أحد منهم على نسبة عقيدته له، ورواة الحديث في الكتب الستة مصادر الإسلام الأصلية ما فيهم جهمي واحد يقول القرآن مخلوق صراحةً، فضلا عن إنكار العلو، وأضف إلى ذلك مشاهير الشعراء والأدباء ستجد حصتهم في ذلك ضعيفةً مقارنةً بحصة العامة الذين على اعتقاد أهل الحديث أو المعتزلة أو الفلاسفة أو الشيعة. زيادةً على أن متقدميهم يُثبتون العلو وشرحت في مقال سابق بطلان دعوى أنهم أكثر علماء الأمة في العلوم الشرعية تفصيليًّا، وأن النتاج العلمي في الأزمنة المتأخرة مشتركٌ بين كل الفرق، ولكن الكل عالة على متقدمي أهل الحديث، وشرحت في مقال أسبق كذبة أن أسانيد العلوم كلها تمرُّ بهم، وبينت العكس وأنهم أحوج الناس إلى أسانيد غيرهم، وبهذا يتم إبطال التهويل المتعلق بشأن القوم والحكم عليهم ومعالجة المقدمة العاطفية البائسة التي ضيعت البحث العلمي، هذا على مقاييس الآخرين وأما على مقياسي فالأمر لا يحتاج إلى كل هذا.